جاد حداد

Jaane Jaan... لوحة فنية مؤثرة

4 دقائق للقراءة

حين يقرع أحد على باب شقة «مايا دسوزا» (كارينا كابور) في فيلم Jaane Jaan، تظهر معالم الخوف على وجهها لدرجة أن يميل لون بشرتها إلى الازرقاق. لكنّ شعرها الأشعث وانقطاع أنفاسها يشيران إلى قصة مختلفة بالكامل.

تردّ «مايا» على من يقرع على بابها، فتحاول إبعاد جارها «نارين فياس» (جايديب أهلاوات)، أستاذ رياضيات محترم في البلدة. لكنّ ما يحصل في منزلها سيبقى سراً يجب أن يكتشفه المشاهدون تباعاً.

الفيلم من إخراج سوجوي غوش، وهو يدخل في خانة التشويق والجريمة. إنه عمل مقتبس من روايةThe Devotion of Suspect X (تفاني المشتبه به «إكس») للكاتب كيغو هيغاشينو.

تثير الشخصيات تساؤلات كثيرة: ما الذي يخيف مايا؟ شبح من الماضي؟ ومن هو هذا الأستاذ الذي يقرع على بابها؟ هل يشتبه بتصرفات «مايا»؟ يجيب الفيلم على هذه الأسئلة تدريجاً عبر الغوص في عالم قاتم ومشين ومليء بالعواطف.

تتمحور الحبكة حول كارينا كابور وحياتها العادية كأم عازبة تعيش في «كاليمبونغ». هي تعتبر ابنتها أجمل ما في حياتها، إلى أن يدخل «كائن» عنيد إلى حياتها ويقلبها رأساً على عقب. سرعان ما تصبح عالقة في تحقيق حول جريمة. يعرض عليها جارها المساعدة، ويتعمق الشرطي البارع «كاران أناند» (فيجاي فارما) في التحقيق بهذه القضية إلى أن يتوصل إلى نتيجة لا أحد يتوقعها!

ترتكز هذه القصة على صدمات متبقية من الماضي، وهي تعود إلى الواجهة في لحظات الضعف، فتتسلل مشاعر انعدام الأمان في أسوأ اللحظات التي يعيشها الفرد ويتأثر الجميع بالتوازن القائم بين البراءة والجمال السلس.

يستحق الممثلون الجوائز لأنهم يقدمون أداءً لم نشاهده منذ فترة طويلة. يتسم أداء جايديب وكارينا وفيجاي بجوانب لامعة ولا يطغى أي منهم على الآخر.

تجسّد كارينا كابور دور فتاة تضع الكحل في عينيها وتربط شعرها على شكل ذيل حصان، وهي تسرق الأضواء بمظهرها البريء والمقنع بدور «مايا». هي تبدو أماً عازبة قوية حيناً، وتصبح سيدة مستقلة وغريبة أحياناً. لكنّ أداءها السلس لا يجعلها تخرج من الشخصية في أي لحظة، بل إنها تتابع تقمّصها لدرجة أن يستمر أثرها إلى ما بعد انتهاء الفيلم.

على صعيد آخر، يُعتبر جايديب أهلاوات نجم الفيلم بامتياز. قد يكون أسلوبه في قول عباراته وابتسامته اللطيفة كافيَين لإعطائه طابعاً غامضاً. هو يقدّم دور أستاذ عادي، لكنه لن يكون عادياً بمعنى الكلمة. يسهل أن يكسب القلوب بفضل براعته في تقديم هذه الشخصية. تبدو لكنته هادئة لكنها مثالية، وهي واقعية وفريدة من نوعها في آن. يمكن اعتباره من أفضل الممثلين في مجاله وهو يستحق الإشادة دوماً.

أما فيجاي فارما المعروف بأدواره الشريرة، فهو يقدم دور رجل صالح هذه المرة. كان ممتعاً أن نشاهده بدور شرطي يحمل أفكاره الخاصة التي تلهيه عن عمله أحياناً وتبقي الأسرار مدفونة. هو يقدم أداءً عفوياً ومقنعاً بدور «كاران أناند».

إنه أفضل خليط من الممثلين الموهوبين. أما المخرج سوجوي غوش، فمن المعروف أنه يعطي أهمية كبرى لدرجات الألوان ومواقع التصوير. تدور الأحداث في «كاليمبونغ»، وتتراوح الألوان المنتقاة بين الرمادي، والأسود، والأزرق، وهي تضفي الجرعة المناسبة من الدراما والتشويق على القصة. بعبارة أخرى، كانت رؤية المخرج مثالية لأقصى حد.

صُوّر عدد من مشاهد الفيلم التي تخدم مسار القصة بأسلوب بالغ الذكاء، وما كان أحد لينجح في تقديم هذا النوع من اللقطات أكثر من سوجوي. تبدو المشاهد سلسة ونظيفة وملوّنة بدرجات مناسبة وجميلة، وهي تتماشى مع أجواء القصة القاتمة. كذلك، يبرع المخرج في تقديم لقطات الماضي، ومشاهد الأحلام، وحتى اللحظات المريبة والمثيرة للرعب.

يستحق صانعو العمل الإشادة حتماً لأنهم قدموا هذا النوع من القصص الكلاسيكية في إطار دراما مشوّقة عن جريمة غامضة. إنه أسلوب مناسب، وهو يتماشى مع عنوان الفيلم أيضاً. وحتى الموسيقى التصويرية تبدو ناعمة ومشوّقة في آن.

يمكن اعتبار الفيلم لوحة قماشية فارغة تتخللها ظلال من الألوان الفاتحة والصامتة، لكنها منسوجة بطريقة لامعة لدرجة أن تصوّر مشهداً سينمائياً مؤثراً ومقنعاً ومدروساً. إنه فيلم تشويق متقلّب ومثالي، وهو أشبه بقصيدة من نوع دراما الجريمة المليئة بالتحولات والمفاجآت المبنية على البساطة والحس الفني العالي.

تضمن هذه العوامل نجاح أي عمل تتعاون فيه كارينا كابور مع المخرج سوجوي غوش. تجتمع هذه العناصر كلها لتقديم عمل يستحق المشاهدة.