يظن عدد كبير من السياسيين والدبلوماسيين ومراقبي السياسة الدولية اليوم أن العالم أصبح متعدد الأقطاب أو سيصبح كذلك قريباً.
في الأشهر الأخيرة، عبّر أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والمستشار الألماني أولاف شولتس، ووزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن هذا الرأي.
رغم مواقف السياسيين والمحللين ومدراء البنوك الاستثمارية، تبقى الفكرة القائلة إن العالم يقترب من عصرٍ متعدد الأقطاب مجرّد خرافة.
الأسباب بسيطة. يشير تعدد الأقطاب إلى وجود عدد من القوى العظمى في النظام الدولي. وكي يصبح العالم متعدد الأقطاب، يُفترض أن يشمل ثلاث قوى من هذا النوع على الأقل. لكن يتمتع بلدان اليوم فقط بالضخامة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والنفوذ الدولي، لتشكيل قطب عالمي: الولايات المتحدة والصين. لا تزال قوى رائدة أخرى بعيدة عن هذا المستوى ولن تقترب منه في أي وقتٍ قريب. ولا يمكن اعتبار العالم متعدد الأقطاب لمجرّد ظهور قوى متوسطة ناشئة وبلدان غير منحازة فيها أعداد سكانية هائلة واقتصادات متنامية.
تسود فكرة شائعة وسط المقتنعين بتعدد الأقطاب اليوم، وهي ترتبط بصعود الجنوب العالمي وانكماش مكانة الغرب. لكن لن يصبح النظام القائم متعدد الأقطاب بسبب وجود مجموعة من القوى المتوسطة القديمة والجديدة (غالباً ما تضاف الهند، والبرازيل، وتركيا، وجنوب أفريقيا، والمملكة العربية السعودية إلى هذه القائمة في الفترة الأخيرة)، لأن هذه البلدان كلها لا تتمتع بالقوة الاقتصادية والعسكرية وأشكال أخرى من النفوذ كي تصبح قطباً بحد ذاته. بعبارة أخرى، تفتقر هذه الدول إلى القدرة على منافسة الولايات المتحدة والصين.
بدأت حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي تتراجع، لكن يحتفظ هذا البلد بمكانة طاغية، لا سيما عند مقارنته مع الصين. تشمل هاتان القوتان العظيمتان نصف الإنفاق الدفاعي الإجمالي في العالم، ويساوي ناتجهما المحلي الإجمالي ما يسجّله 33 بلداً من أكبر الاقتصادات اللاحقة مُجتمعةً.
على صعيد آخر، يُعتبر توسيع منتدى «بريكس» خلال القمة التي شهدتها مدينة «جوهانسبرغ» في الشهر الماضي (كانت هذه الكتلة تقتصر سابقاً على البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا)، مؤشراً على بدء عصر النظام متعدد الأقطاب أو الاتجاه نحوه على الأقل. لكن تبقى هذه الكتل متنوعة بدرجة تمنع تحويلها إلى أقطاب بحد ذاتها، ويسهل أن تنهار في أي لحظة. لا يمكن اعتبار مجموعة «بريكس» كتلة متماسكة بأي شكل. قد تتقاسم الدول الأعضاء آراءً معينة حول النظام الاقتصادي الدولي، لكنها تحمل مصالح مختلفة جداً في مجالات أخرى. على مستوى السياسة الأمنية مثلاً، وهي أقوى مؤشر على قوة التحالفات، ثمة خلاف واضح بين أكبر عضوَين في المجموعة: الصين والهند. حتى أن صعود بكين بدأ يدفع نيودلهي إلى التقرّب من الولايات المتحدة.
لكن إذا لم يكن العالم متعدد الأقطاب، ما سبب شيوع هذه الفكرة على نطاق واسع؟ بالإضافة إلى تجاهل الوقائع والمفاهيم المرتبطة بالعلاقات الدولية، تبرز ثلاثة تفسيرات واضحة.
أولاً، يُعتبر تعدد الأقطاب مفهوماً معيارياً من وجهة نظر معظم المقتنعين بهذه الفكرة. إنها طريقة أخرى لتوقّع انتهاء عصر الهيمنة الغربية وتوزيع السلطة بين أطراف متنوعة. يعتبر غوتيريش تعدد الأقطاب طريقة لإصلاح مبدأ التعددية وتجديد توازن النظام العالمي. برأي عدد كبير من القادة الأوروبيين، يبقى تعدد الأقطاب بديلاً أفضل من العالم الذي يكون ثنائي القطب لأن الخيار الأول قد يُمهّد لنشوء عالمٍ تحكمه القواعد، وقد يسمح بإقامة شراكات عالمية مع أطراف متنوعة، ويمنع ظهور كتل جديدة.
من الواضح أن إطار العمل متعدد الأطراف لم يُعطِ المفعول المنشود، ويعتبر الكثيرون في الغرب فكرة تعدد الأقطاب نظاماً أكثر إنصافاً، وطريقة فاعلة لإعادة إحياء التعددية، وفرصة لإصلاح الشرخ المتزايد مع الجنوب العالمي. بعبارة أخرى، يبقى الاقتناع بتعدد الأقطاب غير الموجود جزءاً من آمال وأحلام متنوعة بشأن النظام العالمي المرتقب.
ثانياً، أصبح مفهوم تعدد الأقطاب رائجاً اليوم، بعد ثلاثة عقود من العولمة والسلام النسبي، بسبب تردد صانعي السياسة، والمحللين، والأكاديميين، في تقبّل وقائع المنافسة الثنائية القوية والشاملة والمثيرة للانقسامات بين الولايات المتحدة والصين. في هذا السياق، يصبح تعدد الأقطاب شكلاً من التهرّب الفكري أو تعبيراً عن رغبة دفينة في تجنّب حرب باردة أخرى.
ثالثاً، قد يكون التكلم عن تعدد الأقطاب جزءاً من تكتيكات لكسب النفوذ في معظم الحالات. تعتبر بكين وموسكو تعدد الأقطاب طريقة لكبح النفوذ الأميركي وتحسين مكانتهما. منذ العام 1997، حين كانت الولايات المتحدة القوة الطاغية، وقّعت روسيا والصين على «الإعلان المشترك بشأن عالم متعدد الأقطاب وإقامة نظام دولي جديد». أصبحت الصين قوة عظمى اليوم، لكنها لا تزال تعتبر الولايات المتحدة أبرز جهة تتحداها. لهذا السبب تستعمل بكين، بالتعاون مع موسكو، فكرة تعدد الأقطاب كطريقة لمجاملة الجنوب العالمي ودفعه إلى دعم قضيتها. أصبح موضوع تعدد الأقطاب محور الحملة الدبلوماسية الودّية الصينية على مر العام 2023، وقد أعلن بوتين خلال القمة الروسية الأفريقية في شهر تموز الماضي أن القادة الحاضرين وافقوا على دعم العالم متعدد الأقطاب. وعندما يدعم قادة قوى متوسطة وناشئة فكرة تعدد الأقطاب، منهم الرئيس لولا دا سيلفا في البرازيل، غالباً ما يكون موقفهم محاولة لطرح بلدانهم كدولٍ رائدة وغير منحازة.
من المنطقي أن يتساءل البعض اليوم عن أهمية الأقطاب وانتشار مفاهيم خاطئة عنها. يمكن القول بكل بساطة إن عدد الأقطاب في النظام العالمي له أهمية كبرى، وتأتي المفاهيم الخاطئة لتطمس التفكير الاستراتيجي، ما يؤدي إلى تبنّي سياسات خاطئة في نهاية المطاف. تحمل أقطاب العالم أهمية معيّنة لسببَين أساسيَين.
أولاً، تواجه الدول درجات مختلفة من الضغوط بسبب تصرفاتها في الأنظمة الأحادية والثنائية ومتعددة الأقطاب، ما يستلزم تطبيق استراتيجيات وسياسات مختلفة. تذكر استراتيجية الأمن القومي الألمانية الجديدة التي صدرت في حزيران الماضي مثلاً أن «البيئة الدولية والأمنية بدأت تصبح أقل استقراراً وأكثر ميلاً إلى تعدد الأقطاب». عملياً، تُعتبر الأنظمة متعددة الأقطاب أقل استقراراً من الأنظمة الأحادية وثنائية القطب. في الأنظمة متعددة الأقطاب، تبني القوى العظمى تحالفات وشراكات لتجنب أن تطغى دولة معيّنة على الدول الأخرى، ما قد يؤدي إلى تجديد الاصطفافات بشكلٍ متواصل وحصول تحولات مفاجئة إذا غيّرت أي قوة بارزة ولاءها. لكن في النظام ثنائي القطب، تتصدى كل قوة عظمى للطرف الآخر حفاظاً على التوازن المنشود، ولا يشكك أحد بهوية الخصم الأساسي. لهذا السبب، يُفترض أن نأمل في أن تكون ورقة الاستراتيجية الألمانية مخطئة.
تهتم الشركات أيضاً بتعدد الأقطاب. بدأ «المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال» ومؤسسة «مورغان ستانلي» مثلاً يحضّران عملاءهما وطلابهما لعالم متعدد الأقطاب. لكن قد يكون تطبيق استراتيجيات متعددة الأقطاب في نظامٍ لا يزال ثنائي القطب خطأً مكلفاً لأن تدفقات التجارة والاستثمارات قد تختلف بحسب عدد الأقطاب المؤثرة. في الأنظمة الثنائية، تشعر القوتان الأساسيتان بقلق شديد من مكاسب نسبية، ما يؤدي إلى نشوء عالم اقتصادي أكثر انقساماً. يترافق كل نوع من الأنظمة مع مخاطر جيوسياسية مختلفة، وقد تصبح أي استراتيجية شائبة لتحديد موقع بناء مصنع آخر تابع للشركة مكلفة جداً.
ثانياً، قد يؤدي الدفاع عن عالم متعدد الأقطاب، رغم قطبَيه الواضحَين، إلى توجيه رسائل خاطئة إلى الأصدقاء والخصوم على حد سواء. اتّضح هذا الوضع في الضجة الدولية التي أثارتها مواقف ماكرون خلال زيارته إلى الصين في نيسان الماضي. يقال إن ماكرون أجرى مقابلة على متن طائرته خلال رحلة العودة إلى أوروبا، حيث شدد على أهمية أن تصبح أوروبا قوة عظمى ثالثة. لم يتقبل حلفاء الفرنسيين في واشنطن وأوروبا استعداد ماكرون للتفكير بعالم متعدد الأقطاب. سُرّ مضيفوه الصينيون بهذا الموقف على ما يبدو، لكنهم تلقوا رسائل خاطئة على الأرجح إذ اعتبروا مواقف ماكرون بشأن تعدد الأقطاب مرادفة لاستعداد الفرنسيين والأوروبيين لدعم بكين في المنافسة القائمة بين الولايات المتحدة والصين.
قد يكون النظام متعدد الأقطاب أقل انقساماً ظاهرياً من العالم الذي يشمل قوتَين عظميين متنافستَين، لكنه لا يضمن تحسين وضع العالم. بدل أن يكون هذا النظام حلاً سريعاً لإصلاح التعددية، قد يُمهّد لزيادة الانقسامات بين المناطق. وبدل تفضيل تعدد الأقطاب وبذل الجهود لدعم نظام غير موجود، تقضي استراتيجية بنّاءة أخرى بالسعي إلى تحسين الحلول ومنصات الحوار داخل النظام الثنائي الراهن.
على المدى الطويل، قد يصبح العالم متعدد الأقطاب فعلاً، وتبدو الهند أبرز مرشّحة للانضمام إلى الولايات المتحدة والصين. لكن لا يزال ذلك اليوم بعيداً. سنعيش إذاً في عالم ثنائي القطب في المستقبل المنظور، ويُفترض أن تُصَمَّم الاستراتيجيات والسياسات بناءً على هذا النظام.