على الرغم من الانهيار الاقتصادي والانسداد السياسي والأزمة الاجتماعية، ما زالت الثقافة في بيروت تنبض.
لكن، لا مبرر للمبالغة، أو لإطلاق عبارات إنشائية ترسم صورة زهرية، على خلاف الواقع. فالوضع العام في العاصمة، ومنه الشأن الثقافي، مأسوي. لهذا يُستغرب أن تنبض الثقافة. ولهذا أيضاً يُحتفى بالنبضات تلك، وإن أشارت إلى أن الحال غير طبيعية. فبعض الحياة هنا أو هناك، وبين حين وآخر، ليس دليل عافية، ولا ينم عن خروج من الحفرة أو استقامة الأمور. والأنشطة لم ترقَ إلى الفعل المُمأسس أو الحركة المتواصلة والواسعة، ولا تحمل دعوة إلى النهوض واستعادة الدور، إنما هي متفرّقات تراوح ما بين المبادرات الفردية واستمرار المؤسسات في عملها الذي وجدت لأجله.
وكأن ما يجري هو إعلانات خافتة عن النجاة أو عن محاولات العيش، لا أكثر، ومن دون إضافات دعوية أو تزيينية.
هي الأنشطة كذلك، وربما النظر إليها في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمر بها لبنان يجعلها تبدو على هذا النحو.
هكذا يُمكن أن يُرى إلى خوض الشاعر والإعلامي جوزف عيساوي تجربة فردية ثقافية على «يوتيوب». فهذه التجربة لا تدّعي الرسولية الثقافية أو مقاومة الموت. هي ببساطة تقول إن عيساوي يقوم بما يتقنه ويحبه ويؤمن بأنه يقدّم فيه خصوصيّته. وفي حين تتجاوز هذه التجربة الإهمال التلفزيوني للثقافة وبرامجها، تُبرز أن عيساوي يتكيّف مع المستجد ويحجز لنفسه مقعداً في العالم الافتراضي. وهذا الخرق الشخصي، بما يتضمّنه من بعد ثقافي وإنساني خاص، هو الأهم.
تجربة زاهي وهبي على قناة «الميادين» تقول أمراً آخر، هو ما يجعلها تنتمي إلى النبضات تلك. فوهبي في برنامجه الجديد، «عِشرة عمر»، الذي يستضيف فنانين وكُتّاباً وشعراء عرباً، يصر على أن تبقى بيروت عاصمة ثقافية عربية.
وثمة شاعر ثالث ينشط في بيروت، هو الشاب محمود وهبة. إضافة إلى الكتابة مع مجموعة من رفاقه، تراه متحمّساً مزخِّماً نشر الكتب والتواصل الثقافي. ينتقي مختارات ونصوصاً قديمة لشعراء وكتّاب عرب ويعيد نشرها، ويتواصل مع شعراء وشاعرات شباب ويُسهم في إيصال أعمالهم إلى القراء والإعلام. وهو في هذه الحيوية لافت.
ومن النبضات أيضاً إصرار مسرح دوّار الشمس (محلة الطيونة) على الاستمرار. فتلك المساحة مختبرٌ فنّيٌّ وخلية نحل. ووجودها بحد ذاته نبض، كيف إذا عاند الصعوبات والمعطِّلات ورمّم نفسه من الحريق الذي ألمّ به ولم يُعرف إن كان مفتعلاً أم لا. ووسط الخراب، لم يستجدِ العطف والإحسان، ولم يقف على باب سياسي أو متموّل. بل قدّم عروضاً رائعة، أمام جمهور يقدّره ويؤازره في إعادة البناء.
ولا تقتصر القائمة على هذه. وإذا كان انقسام معرض بيروت للكتاب إلى معرضين ثقيلاً على الثقافة التي لا ناقة ولا جمل لها في حصوله، إنما الأسباب سياسية وإدارية، يبقى موعد القراء مع الكتاب نبضاً. نبضٌ. نبضٌ على الرغم... وهذا جميل.