يدخل السيد علي السبعيني بثقة الى مركز إجراء فحص "كورونا" في حاروف، فالدكنجي العتيق، قرّر الخضوع لفحص الـPCR لضمان سلامته وسلامة عائلته، هو نفسه لم يخضع لنظام التعبئة ويلتزم بالمنزل أسوة بباقي المهن، بقي دكّانه مشرّعاً أمام الزبائن، "على قلّتهم"، يقول بابتسامة خجولة.
يودّ السيد علي أن يُجنّب بلدته ويلات "كورونا" بالرغم من يقينه أنه "لم يلتقط العدوى"، غير أنه يجزم أنه "أُصيب بكورونا الغلاء وجشع التجار. بات الختيار العتيق في قلب عاصفة "كورونا" التجار ممن يفرضون عليه شراء البضائع بالدولار، "وأنا دكانة ع قدّي من وين بجبلن دولار".
داخل النادي الحسيني لبلدة حاروف، أقام فريق طبي من مستشفى صيدا الحكومي، بالتعاون مع وزارة الصحة وبلدية حاروف، فحوصاً عشوائية لنحو 50 شخصاً من أصحاب المهن الحرّة الذين لم يشملهم الإقفال أو التعبئة وكانوا على تماس مباشر مع الناس، من قصابين ودكنجية وفرّانين وغيرهم، لدرس منحى تطور الوباء، وفق الممرّض حسين عياش "خصّصنا الحملة لهذه الفئة، لأنهم على اختلاط مع الناس، وهم يساعدوننا في فهم تطور الوباء، ناهيك عن أنَّ خضوعهم للفحص يُجنّب البلدة ويلات "كورونا" وتأكيد سلبية نتائجهم، تؤمن وصول البلدة الى برّ الأمان".
وتأتي الحملة في إطار تكثيف حملات إجراء الفحوص العشوائية داخل القرى، وفق الخطة البيانية التي وضعتها الوزارة، والهادفة للوصول الى أكبر شريحة عشوائية من الناس، وهذا ما دفع بـ"أبو موسى" الخياط للخضوع للفحص، اسوة باللحّامين علي ومحمد.
وتواصل النبطية وقراها حال التعبئة التي استنزفت كل موارد البلد، وضعته على المحك في مواجهة أزمة معيشية تحوم في الأفق. ولم يكن السوق مرتاحاً في الفترة الماضية، حاله يُرثى لها، التُجّار منذ فترة يواجهون حرباً فتَّاكة بعد تعطّل البلد والدخول في دوامة الدولار والتحويلات الخارجية.
التعبئة والإقفال زادا الوضع سوءاً، يؤكد يوسف أن الدورة الإقتصادية "تعطلت بالكامل"، ويرى في الإقفال إعداماً له "عالبطيء"، ويحبّذ العودة الى الحياة، ولو كان "كورونا" في المنظار لانه "ألف رحمة" من الأزمة المعيشية المحدقة به.
يقف الحلونجي السيد بدر الدين في محله في النبطية، يُعتَبر من أعتق "الحلونجية" في السوق، لم يدخل في بزار حلويات رمضان"، إكتفى بالحلو العربي، لإدراكه أن الناس " ما معها تشتري كيلو حلو بـ20 ألفاً". لا يُنكر ان الإقبال خفيف، وان الناس تخلّت عن الحلو في شهر رمضان، يخاف الأسوأ، ويخشى أن يجد نفسه مُرغماً على الإقفال.
معظم زبائن السيد من الطبقة المعدمة أو ممّن يبحثون عن الرخص، ومع ذلك حركة البيع خجولة. لا شك أن "القلّة" حالت دون الشراء، فبالكاد يتمكّن المواطن من شراء إفطاره اليومي.
ووفق بدر الدين "نعيش ظروفاً صعبة جداً تهدّد حياتنا، أدخلتنا في نفق مظلم، لا احد يعلم مستوى انعكاسه علينا". ما يتحدث عنه بدر الدين يتوافق مع واقع الناس الحالي، فالأزمة تهدّد كل الناس. يؤكد ابو وسيم، سائق تاكسي، "وصلنا الى مرحلة القحط، الفقر تغلغل في كل منازلنا، وهذا أمر لم نعتَده سابقاً ويُحتّم إتخاذ قرارات علاجية، وإلا فالناس ستنفجر، وعندها لا يلومنّهم أحد". وبرأيه، "الحرب المعيشية دنت وستدور رحاها في كل القرى، لا يحتاج المواطن كرتونة إعاشة ليصمد، بل الى متنفّس إقتصادي، يُخرجه من عنق الفقر".