رواد مسلم

"الأرض المحروقة" لن تُرمّم هيبة الجيش الإسرائيلي

5 دقائق للقراءة
من آثار الغارات الإسرائيلية على غزة أمس (أ ف ب)

يعتبر الهجوم الكبير وغير المسبوق الذي شنّته «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، على «غلاف غزّة»، أكبر «مفاجأة استراتيجية» لجيش يملك أقوى الأجهزة الاستخباراتية في العالم، ما أربك القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، فلم يستطع الجيش الإسرائيلي استعادة توازنه على المستويات القيادية والتخطيطية والتنفيذية، إلّا بعد مرور حوالى 72 ساعة من بدء عملية «طوفان الأقصى»، إذ حتّى النهار الثالث، كانت المستوطنات في «غلاف غزة» تشهد على عمليات عبور من عناصر «حماس»، حيث تمكّنت الأخيرة من القتال بمجموعات صغيرة ضمن مساحة تمتدّ على نحو 650 كيلومتراً مربّعاً، من عسقلان شمالاً إلى سديروت وصولاً إلى مجمّع مستوطنات أشكول جنوباً، والسيطرة على مواقع عسكرية إسرائيلية، الأمر الذي كبّد إسرائيل خسائر بشرية فادحة وصادمة في صفوف العسكريين والمدنيين في الساعات الأولى للهجوم.

لم يتوقّع الجيش الإسرائيلي هذا الإختراق النوعي من «حماس»، وبالأخصّ تعدّد أساليبه ومحاوره. فجوّاً، شاركت 200 طائرة شراعية في الساعات الأولى من العملية لإجتياز الخطّ الفاصل بين قطاع غزة ومستوطنات الغلاف، وهي المرّة الأولى التي تستخدم فيها «حماس» هذا النوع من وسائل النقل الجوي التي يُمكنها أن تنقل شخصَين لمسافة 10 كلم. وقد تمكّنت من اختراق الدفاعات الإسرائيلية بفضل صغر حجم ما يُسمّى «البصمة الرادارية» التي كلّما زاد حجمها كان كشف الطائرة أسهل.

وتعتمد هذه البصمة على عوامل عدّة منها الشكل الهندسي لجسم الطائرة والمواد المستخدمة في صنعها ونوع الطّلاء الممتصّ لموجات الرادار، وأمور أخرى. فعلى سبيل المثال، إنّ القاذفة الاستراتيجية الأميركية «بي 52»، لديها مقطع عرضي راداري يتجاوز 100 متر مربّع، في حين يُقدّر مقطع المقاتلة «أف 16» بـ5 أمتار مربّعة فقط، وهو ما يوصف بالبصمة الرادارية المنخفضة. أمّا المقاتلة «أف 35» فتمتلك ميزة الشبح، حيث تُقدّر بصمتها الرادارية بـ5 أجزاء من الألف من المتر المربّع، بفضل الزوايا الصغيرة ونوع الطلاء.

تمكّنت هذه الطائرات الشراعية من تجنّب الرادارات من خلال التحليق على مستوى مخفوض لتصعيب عمل الرادارات وتفاديها وصولاً إلى الهدف، وقد ترافق معها قصف صاروخي مكثّف لإلهاء منظومات الدفاع الجوّي، فيما حافظت الطائرات الشراعية على سرعة معتدلة تُماثل سرعة الطائر، وهو ما يُصيب دفاعات الخصم بالارتباك عند تحديد الأهداف التي يجب التعامل معها أوّلاً، فضلاً عن أنّ حرارة الحشوة الدافعة للصاروخ أعلى بكثير من حرارة محرّك الطائرة الشراعية، ما وجّه المضادات الحرارية التلقائية الإسرائيلية في اتجاه الهدف ذات الحرارة الأعلى بإعتباره الأخطر.

إستخدمت «حماس» للمرّة الأولى منظومة دفاع جوي أرض - جو محلّية الصنع، وهي من طراز «مُتبّر 1»، ومهمّتها التصدّي للصواريخ والطائرات. والمتميّز فيها أنّها تُطلق من خلال قاعدة متحرّكة، والتحكّم فيها عن بُعد من خلال غرفة تحكّم، على عكس الأسلحة التي استخدمتها قديماً والتي تُطلق عن الكتف. كذلك، أطلقت «حماس» في مرحلة التمهيد الناري لدخول المسلّحين إلى المستوطنات، 36 مسيّرة انتحارية من طراز «الزواري» في اتجاهات عدّة نحو مستوطنات الغلاف، وقد دخلت الخدمة للمرّة الأولى في هذه العملية بعدما أعلنت عنها في العام 2021.

بحراً، اقتحم الكوماندوس البحري بواسطة 5 زوارق مطاطية سريعة، قاعدة «زيكيم» العسكرية، التي تتمتّع بتحصينات أمنية مشدّدة وتطلّ على شواطئ مدينة عسقلان، وتكمن أهميّتها في أنّها نقطة أساسية جدّاً لقوات الاحتلال كونها تبعد عن السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلّة مسافة كيلومتر، وتحتوي على محطة الكهرباء التي تخدم المنطقة كلّها.

أمّا الهجوم البرّي الذي أتى بعد الهجوم الصاروخي وهجوم المسيّرات الانتحارية وعمليات التشويش على مراكز الاتصالات، وبالتزامن مع الطائرات الشراعية، فقد إنطلق خلاله العناصر من محاور عدّة وبمجموعات صغيرة في اتجاه مراكز عسكرية مختلفة في الغلاف، أوّلها مقرّ قيادة فرقة غزة في ريعيم، حيث سيطرت على المقرّ، واقتصر عتاد العناصر على البنادق التقليدية والآليات الرباعية الدفع والدرّاجات النارية.

نجاح «حماس» يُعدّ حدثاً استراتيجيّاً كبيراً، فالمعركة التي انتقلت إلى الداخل أفقدت الجيش الإسرائيلي قدرة الردع والدفاع لمدّة طويلة نسبيّاً، وأظهر مقاتلو المقاومة الفلسطينية قدرة عالية في حرب الشوارع مقابل جيش يمتلك 650 ألف مقاتل بين فعلي وإحتياطي، عالي التدريب لكن منخفض الكفاءة في القتال المباشر، ويمتلك 950 طائرة بين مقاتلة وطوافة قتالية وغيرها، و1650 دبابة و7000 عربة قتال، لم يستطع صدّ مقاتلين غير مزوّدين بأسلحة نوعية.

وعلى الرغم من أنّ العواقب ستكون قاسية على «حماس» والشعب الفلسطيني، خصوصاً مع إعلان نتنياهو حال الحرب وتوظيف كافة مقدّرات الدولة لتكون تحت تصرّف العمليات الحربية والسعي إلى كسر إرادة المقاومة الفلسطينية على القتال من خلال القصف المكثّف لغزة، وحتّى لو خُرق القانون الدولي الإنساني بقطع المياه والغاز والغذاء عن قطاع غزة واعتماد سياسة «الأرض المحروقة»، فإنّ هيبة الجيش الإسرائيلي قد انكسرت ولا يُمكن تعويضها.