نوال نصر

الترميم مُرجأ بداعي السفر!

7 دقائق للقراءة
صمدوا على جدران «القاصوف» (رمزي الحاج)

ثلاثون عامًا على انتهاءِ الحرب. أربعة عشر عامًا على الانسحاب السوري من لبنان. أحلامٌ تلتها خيبات وتُظللها انتظارات. واستغراب هائل، كبير، في كل

مرة يقصدُ فيها زائر روابي الشوير، البلدة المصنفة رابعة سياحيًا في لبنان. هناك، عند تخوم بكفيا والدوار والخنشارة وبولونيا والقعقور وزرعون وعين

السنديانة تتراءى ضهور الشوير، تحت أفياء القرميد الأحمر والصنوبر البري والحجر الصخري والتاريخ والجغرافيا. وهناك ما زالت تُطبِق الحرب بفكّيها على

أكثر من مئة مبنى وفيلات كانت شاهدة على حقبة سوداء!



يَهمس السائق في أذن راكب بسؤال: هل تتنشق الرائحة الجميلة؟ ويتبع سؤاله بثانٍ: هل تعرف زهرة الوزال؟ ويتبع السؤالين بشرحٍ: لن تتنشق هذه

الرائحة إلّا هنا، في حنايا ضهور الشوير حيث تَكثر زهرة الوزال، الصفراء، ويشتدّ أريجها تحت عين الشمس.

نتبع رائحة "الوزال" نحو "ضهور الشوير"، واسمُها الأساسي "الشوير". شعارات الحزب السوري القومي الاجتماعي تُنبئُنا ببلوغ بلدة أنطون سعادة.

يستقبل الزوّار مدفع خارج الخدمة. وجوده غريب عجيب. نتجاوزه. نمرّ بالقرب من "ساحة الجيش اللبناني" ونتابع في اتجاه كوخ المختار مخايل بطرس

صوايا. "الشويريون" يُجرون كل معاملاتهم لدى المختار مجاناً. وهو إلى ذلك ذاكرة حيّة لمن يقصده طلباً للمعلومات: "بدأ بناء البيوت الجميلة في بلدتنا

قبل مئة عام ومعظم المصطافين كانوا من البيارتة، من راس بيروت والمصيطبة والأشرفية. ولُقبت ضهور الشوير، قبل عاليه، بعروس المصايف. كانت

الشوير مقصد السيّاح العرب من العراق وسوريا ومصر ومن المملكة العربية السعودية. وافتتح فيها 11 فندقاً، أهمها فندق القاصوف. أوّل مؤتمر

للأطباء العرب أقيم فيه، وأوّل انتخاب ملكة جمال في لبنان أقيم فيه. الملك فاروق أقام في القاصوف ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش. وضَمّت

ضهور الشوير قبل الحرب 15 مقهى، أشهرها مقهى نصر والحاوي. "رزق الله". وبَنى الفيلات الجميلة مهندسون طليان ومعماريو الشوير. ويوم اندلعت

الحرب نُهبت البيوت وهرب البيارتة والمصطافون العرب، وكان ما كان". كلما حكى المختار أكثر كلما بدأ يكيل الاتهامات في اتجاه "اليمين اللبناني".

وماذا عن مسؤولية السوريين في المشهد الشويري؟ الجواب ليس عند المختار!


في انتظار الشاري


30 مليون دولار ثمن "القاصوف"

نتابع تنشّق "الوزال". فندق "القاصوف" الشهير هنا. صورة الفنان زكي ناصيف تسند الشباك المحطّم لجهة المدخل الرئيسي. ملامحُ الفندق التاريخي

تتراءى بين الحطام. صور فيروز وصباح وفريد الأطرش ووديع الصافي وأم كلثوم في الأرجاء. ومنحوتات مشلوحة في البهو الخارجي. وفي الطبقة

السفلية مطبخ يملكه وديع عبد الأحد، رئيس مهرجانات ضهور الشوير، يعدّ الطعام ويوزّعه على سلسلة مطاعم. وديع عبد الأحد مقرّب من وزير الدفاع،

ابن الشوير، الياس بو صعب ورئيس البلدية السابق الياس صوايا اللذين اشتريا "القاصوف" قبل عامين بـ 30 مليون دولار فقط لا غير، لكنّ صوايا رحل قبل

إعادة ترميم الفندق.


متاريس "القاصوف"


السياسة بيزنس و"البيزنس" تستفيد من السياسة. ندخل الى القاصوف. عربة مركونة في البهو تَعود الى زمن أفَل وأشجار كرز وإجاص تحوط بالمكان.

وعبارات من بقايا حقبة ولّت ولا تزال تشهد على احتلال وعلى جنود مرّوا واستقروا ثلاثة عقود، وغادروا تاركين خَربشات على الجدران: تامر أبو عساف من

السويداء. تذكّروني. سامر إسماعيل من طرطوس. تذكّروني. 1 نيسان 2003. أيمن محمود. رضوان حافظ. حسن الشعار... عاشت الأسامي!

"القاصوف" اشتراه أصحابه الجدد واستراحوا. "بيزنس". ويُروى أنّ بلدة القعقور المجاورة لن تغضّ الطرف على اعتبار الفندق الشهير عقاراً في ضهور

الشوير بينما هو في خراج القعقور. وهناك دعوى "اغتصاب الحقوق" مقدّمة من القعقور على الشوير.


فخامة... أفلت



مشاكل الفندق الشهير كثيرة، ومالكُه الجديد معالي وزير الدفاع هو من الأشخاص الذين يثقون أنّ الأيام تحلّ كل المشاكل. فلنترك "القاصوف" للأيام.


"ينامون"... على عقارات

فيلات محروقة، مدمرة، كثيرة معروضة للبيع. نَدخل الى بعضها. البلاط «مقبّع». الأسلاك الكهربائية مسحوبة من الأسقف والجدران. عناصر الجيش

السوري أخذوها معهم يوم انسحبوا. عقارٌ مساحته 3700 متر تتوسّطه فيلا مدمرة، معروض للبيع. نتصل للاستيضاح. فيجيبنا صوت أنثوي: "اشترى ابن

خالي هذا العقار العام 2014 لكنّ أولاده يحبّون البحر، لذا قرّر أن يبيعه (العقار) كما هو. وبما أن المساحة كبيرة سيبيع المتر المربع الواحد وقيمته 900

دولار بسعر 450 دولاراً».

هي مسألة أصحاب عقارات مهاجرين ربما، وربما هي مسألة أشخاص يحبّون البحر أكثر من الجبل، أو مسألة أغنياء وساسَة "ينامون" على عقارات في

انتظار لحظة الإستثمار الأجدى الذي لم يَحن على ما يبدو بعد في ضهور الشوير. تكثر التكهنات ونتابع البحث عن أسباب أكثر إقناعاً.


للبيع


وديانٌ وتلال وهواء عليل ومشاهد ساحرة، آسرة، رائعة. مع وصوله إلى لبنان في العام 1976 صادَر الجيش السوري أفخم العقارات والفيلات والمباني.

مبنى قيل إنه مملوك من أصحاب مؤسسة معروفة للألبسة منهوب ومحروق. لبنانيان أحدهما قومي - سوري يتسامران بالقرب منه. يقول الأول:

"قبل أن ينسحب السوريون ما خَلّوا شي". يضيف الثاني: "لكننا كنّا بأمان". ينظران شذراً إلى بعضهما ويذهب كلّ في طريقه. وفي داخل المبنى عبارة

تعكس وجعاً مكتوبة بعصارة قلب "لو كانت الدنيا حلوة لَما خلقتنا أمهاتنا ونحن نبكي". بالقربِ من ذاك المبنى عقار يملكه شخص من آل ربيز استرجعه

من محتلّيه السوريين لقاء "إخلاء إجر" ورَمّمه.


سعر الأرض ..."بالأرض"

نتابع طريقنا. المباني والفيلات المشلّعة على مدّ النظر. فؤاد ناصيف، يملك مكتباً عقارياً، يحدد أسباباً لمشهد البيوت المدمرة حتى اللحظة في رابع

أجمل مصيف لبناني: "غادر الجيش السوري في العام 2005 وكان أصحاب معظم البيوت والفيلات قد هاجروا الى كندا والولايات المتحدة خلال الحرب،

الكبار ماتوا، والأولاد لم يرجعوا. ومن عاد منهم أجرى حصر إرث وعرض عقاراته للبيع. الأسعار اليوم منخفضة جداً. سعر المتر 500 دولار يُعرض بأقل من

300 ولا من يشتري. يفضّل الخليجيون شراء البيوت في الزعرور".

مبنى آخر ينضم الى المباني المشلّعة. نقترب منه فنرى مركبة من نوع لاند روفر لوحتها قطرية. مالك المبنى قطري، يروح ويجيء، لكنه يُفضّل التريّث

حالياً في إعادة بناء ما تهدّم. الدخول الى المبنى ممنوع بأمرٍ من عاملٍ سوري.


رئيس البلدية حبيب مجاعص


كنيسة مار يوسف مفتوحة. الإنجيل المقدس مفتوح على صفحة "زمن العنصرة المجيدة". وإلى جانب الكنيسة مبنى أعاد مالكه تأهيله جزئياً في انتظار

مساعدة من وزارة المهجرين التي تمكنت من الفوز بـ 40 مليار ليرة ضمن موازنة العام 2019. رئيس بلدية الشوير وعين السنديانة حبيب خليل مجاعص

كامل الأناقة حتى في اختيار المرادفات: "هناك حيّ القاصوف في الشوير، سَكنه صيفاً البيارتة، إشتروا وبنوا في البلدة وأحبوها كثيراً لكنهم غادروا مع

بداية الحرب، ثمّة من هاجر منهم الى كندا ومنهم من اشتروا في فقرا أو في غيرها. حاولنا الإتصال بهم، ووعدنا كثيرون بأن يعيدوا ترميم ممتلكاتهم

قريباً. نتمنى ذلك. تأخرت ضهور الشوير باستعادة ألقها المعماري والبنياني، لأنّ آخر مركز انسحب منه الجيش السوري كان هنا".

المالكون أغنياء ولا ينتظرون مالاً من وزارة المهجرين. هناك كم ملف "لم يبتّ فيها بعد". ويقول رئيس البلدية: "لم نجرِ مسحاً للمباني التي تحتاج الى

ترميم، ولم يطلب منا أحد ذلك، لكننا نعتقد أنّ عددها مئة مبنى".


في ذمة الانتظار


ضهور الشوير جميلة جداً، شوارعها مرقمة، الورود تملأ جراراً على طول شوارعها العامة، وأشجار الصنوبر والشربين تُظللها، والروائح فيها تنساب الى

القلب، الى الروح، فتنعش. لكن، في الموازاة، لا تزال ضهور الشوير تُحفّز على استذكار فصول الحرب وحقباتها. الى متى؟ لا البلدية ولا المختار ولا

كثيرون من وجهاء البلدة يملكون الجواب، لكن هناك من يهمس ملمّحاً الى أنّ مالكي القرار الشوَيري ليسوا على عجلة لتسريع البَت في هذا الملف

الى حين يتمكنون من شراء العقارات بأبخس الأسعار. ببلاش. على قاعدة: في بعض التجاهل كثير من الإهتمام!