يخوض الجيش الإسرائيلي حرباً غير متناظرة بين جيش منظّم ولديه هيكلية وتسليح متطوّر يُعطيه درجة التفوّق الجوّي على كلّ الجيوش النظامية الإقليمية، وتنظيمات عقائدية دينية تعتبر أقلّ عدداً وتسليحاً، لكنّها متميّزة بروحها القتالية دفاعاً عن قضية محقّة. فعبر التاريخ تعتبر الحروب غير المتناظرة لمصلحة الميليشيات والتنظيمات صاحبة الأرض، كونها تحدّ من استخدام الأسلحة الثقيلة في المواجهات التصادمية، قد تصل إلى مسافة الصفر أحياناً. وفي حالة حرب غزة، لن يكون من السهل على الجيش الإسرائيلي تحقيق هدف التوغّل البرّي إلى داخل القطاع من دون تخطيط دقيق يتضمّن توقّعات خسائر بشرية ومادية كبيرة، وهذا ما يُبرّر تأجيل التوغّل البرّي لمرّات عدّة.
القرار السياسي بالتوغّل البرّي صدر بضوء أخضر من الرئيس الأميركي، وقرار السلطة السياسية الإسرائيلية بضرورة القضاء على «حماس»، وبدعم عسكري غير مسبوق من الولايات المتحدة، وصل إلى حدّ نشر 2000 ضابط وجندي من قوات الدلتا الخاصة الأميركية على الأراضي الفلسطينية المحتلّة لتقديم المساعدة الاستخباراتية لجيش الإحتلال وربّما للقيام بعمليات خاصة لتحرير الرهائن من داخل القطاع، كما نشر مجموعتَي حاملات طائرات في الشرق الأوسط، واحدة قبالة شواطئ فلسطين والثانية في طريقها إلى المنطقة، وبارجة قتالية في البحر الأحمر. وكلّ هذا الدعم الإستثنائي الأميركي رسالة إلى داعمي «حماس» الأساسيين، أهمهم إيران، بعدم فتح جبهات متعدّدة واسعة النطاق، قد تدخل المنطقة في حرب شاملة ومدمّرة.
أمّا عسكريّاً، فالجيش الإسرائيلي يحشد قواته الهجومية في «غلاف غزة»، والمرحلة التمهيدية من الهجوم التي تبدأ عادة بالقصف المدفعي والجوّي، يقوم بها الجيش الإسرائيلي بزيادة وتيرة الغارات الجوية وتدمير المباني في كامل القطاع مع التركيز على القسم الشمالي، ما يوضح قرب إنطلاق المرحلة الأولى من الهجوم البرّي. لكن قبل الإنطلاق، يجب وضع كلّ السيناريوات، تبدأ بالأسوأ أي معالجة ردّة فعل التنظيمات داخل القطاع، كما في مختلف الجبهات، منها الشمالية حيث التصعيد يتزايد ضمن قواعد الإشتباك، الأمر الذي يُمكن ردعه من جانب مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «يو أس أس جيرالد فورد». وفي سوريا والعراق واليمن (الحوثيين)، حيث تتواجد تنظيمات مدعومة من إيران وتتعمّد استهداف القواعد الأميركية المتواجدة في المنطقة كرسائل ردع وإبراز جهوزيّتها لفتح الجبهات في حال التوغّل الإسرائيلي داخل القطاع، والتي يُمكن ردعها من خلال رسو مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «يو أس أس دوايت أيزنهاور» في بحر العرب أو البحر الأحمر، ما يُنبئ بحدوث أسوأ السيناريوات، أي حرب إقليمية شاملة.
من المؤكّد أنّ الجيش الإسرائيلي قد وضع مسبقاً خطط عمليات لغزو قطاع غزة، عمل عليها لسنوات من خلال الإستعلام التكتي وتحليل صور الأقمار الإصطناعية والمسيّرات وتحديد مواقع تموضعات التنظيمات داخل القطاع، وتعتمد على استراتيجيات مختلفة ومحاور عدّة وتشكيلات عديدة، لكن هناك تقارير تُفيد بأنّ «كتائب القسّام» حصلت على هذه الخطط في الأيام الأولى لعملية «طوفان الأقصى» بعد الدخول إلى القواعد العسكرية المسؤولة عن منطقة أمن قطاع غزة. لذلك، على القيادة العسكرية الإسرائيلية إعادة حساباتها لأنّ التنظيمات قد تموضعت بشكل مختلف عن السابق ويُمكن أن تُفاجئ العدو.
هذا ما فعله الجيش الإسرائيلي منذ يومين، عندما عمد إلى الإستطلاع بالقوّة أو جسّ نبض التنظيمات في شمال خان يونس غرب كيسوفيم لمراقبة ردّة الفعل والتجهيزات في حال وضع أحد محاور الهجوم من شرق القطاع، بعد محاولة خرق السياج بآليات مدرّعة (جرّافتين مدرّعتين «دي 9» ودبابة)، حيث تمكّنت «كتائب القسّام» من صدّها وحرقها وإنسحاب العناصر، ما ينبئ بإمكانية قيام الجيش الإسرائيلي بخداع التنظيمات بأنّ الهجوم بجهده الأساسي سيكون من الشمال، ليطبّقه في الواقع من الوسط ويتّجه جهده الأساسي من الوسط شمالاً، والجهد الثانوي جنوباً، مع المساندة بحرياً من خلال فرق الكوماندوس البحري لمنع إبرار عناصر التنظيمات من البحر، وجوياً لنقل قوات مجوقلة وخاصة إلى العمق، لكن ما يبدو واضحاً أنّ التنظيمات جاهزة لكافة السيناريوات، ما يزيد من صعوبة التخطيط ويؤجّل ساعة الصفر.
كلّ الإحتمالات متوقّعة في الحرب البرّية التي سيشّنها الجيش الإسرئيلي، لكنّ التنظيمات ستكون لها بالمرصاد، بأسلحة مضادة للدبابات في المقام الأوّل، وبالعمليات الإنتحارية والصواريخ والمسيّرات البعيدة المدى وزيادة عدد الأسرى والعمل خلف خطوط القتال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وفي السيناريو الأسوأ من خلال فتح الجبهات وتوسّع نطاقها لتشمل الإقليم. لذلك، القيادة العسكرية الإسرائيلية ستقوم بالعديد من عمليات الإستطلاع بالقوّة وستدخل في حساباتها كلّ المخاطر المتوقّعة وقياسها نسبةً إلى أهمية هدفها بالقضاء على «حماس» بالكامل، وتأثيرها على الأمن القومي الأميركي المُهدّد إذا فتحت الجبهات على مصراعيها، وهذا ما يُمكن أن يُقلّص من إندفاعة الجيش الإسرائيلي والتخطيط الدقيق.