يبدو أنّه من الصعب على جيش الكيان الإسرائيلي تحقيق أي إنجاز عسكري يُذكر ضدّ المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة «حماس»، من خلال الغارات الجوية وحدها، فلا بدّ من الإنتقال إلى العمليات البرّية التي تم تأجيل موعد بدئها لعوامل عدّة، من الاعتبارات العملياتية العسكرية والإقليمية والدولية، لذلك يعمد سلاح الجوّ في الوقت الراهن الى تدمير البنية التحتية في غزة، وقتل أكبر عدد من المسلّحين، واستنزاف «حماس» والفصائل، حتّى تتآكل قدراتها العسكرية والصاروخية، وهي الإجراءات التي من شأنها أن تُخفّف من وطأة التوغّل البرّي على قوات المشاة والمدرّعات عند إنطلاق العملية البرّية.
من الواضح أن واشنطن، الداعم العسكري الأساسي لجيش الكيان في حربه ضدّ «حماس»، تتوقّع أنّ هذه المعركة ستتّسع بالتزامن مع الدخول الإسرائيلي إلى قطاع غزة. لذلك، فإنّ أميركا طلبت من إسرائيل الانتظار إلى حين نشر بطاريات لأنظمة الدفاع الجوّي من طراز «ثاد» و»باتريوت» في المنطقة لإعتراض الصواريخ الباليستية البعيدة المدى والمسيّرات التي يُمكن أن تطلقها تنظيمات تابعة لإيران في المنطقة، ونشر مجموعة حاملة الطائرات «يو أس أس أيزنهاور» المتوقّع وصولها إلى الشرق الأوسط خلال أيّام، لتنضمّ إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو أس أس جيرالد فورد» الراسية قبالة فلسطين المحتلّة، والبارجة القتالية في البحر الأحمر، بالإضافة إلى المساعدة التخطيطية العملياتية عبر إرسال الجنرال جيمس غلين، نائب قائد قوات مشاة البحرية والمتخصّص في حرب المدن، وضبّاط آخرين إلى إسرائيل لمناقشة خطط الحرب مع جيش الدفاع الإسرائيلي. ومن بين تلك الحروب التي قادها غلين، الحرب الأميركية على العراق والتدخّل الأميركي في سوريا، وتحديداً السيطرة على مدينتَي الموصل في العراق حيث قاتل غلين، والرقة في سوريا.
إتّساع رقعة المعارك حول فلسطين المحتلّة يعني عدم قدرة أنظمة الدفاع الجوي لجيش الكيان على اعتراض الصواريخ والمسيّرات التي ستُطلق من اتجاهات مختلفة، علماً أنّ هذا الجيش يمتلك أنواعاً متعدّدة من الأنظمة التي يُغطّي كلّ نظام منها طبقة معيّنة من المدى والإرتفاع، فنطاق عمل صواريخ «القبّة الحديدية» ذات الصناعة الإسرائيلية، محدود للصواريخ القريبة والمتوسطة المدى التي تصل إلى 70 كلم، وهو النظام الذي استخدمه جيش الإحتلال لإعتراض الصواريخ في «غلاف غزة». لكن هناك تساؤلات وشكوك حول قدرة هذا النظام، إذ تتدنّى فعاليّة اعتراضه للصواريخ إلى ما دون 50 في المئة، حسب تقديرات عسكرية.
يستخدم جيش الكيان نظام «مقلاع داود» ذات الصناعة الإسرائيلية -الأميركية لاعتراض الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وقد استُخدم في الحرب الدائرة مرّات عدّة عندما بلغ مدى صواريخ «كتائب القسّام» ما بين الـ70 كلم والـ100 كلم، وضمن ارتفاع 15 كلم. ويُمكن للرادار تتبّع ما يصل إلى 1100 هدف على مدى 474 كيلومتراً، ويُمكنه مسح الأجواء إلكترونيّاً بزاوية 120 درجة وارتفاع 50 درجة، وتوفير مراقبة بزاوية 360 درجة، ويمكنه تدوير مجموعة الهوائي الخاصة به بمعدّل 30 دورة في الدقيقة، كما يمكنه أيضاً تتبّع ما يصل إلى 200 هدف في الدقيقة في نطاقات 100 كيلومتر، كما يُمكن لكلّ وحدة إطلاق أن تحمل ما يصل إلى 12 صاروخاً، لكن لم يُعلن عن عدد الوحدات وأماكن نشرها.
تُريد الولايات المتحدة تعزيز أنظمة «باتريوت باك 3» في المنطقة بعدما سحبت مسبقاً 8 أنظمة من الشرق الأوسط، فبالرغم من امتلاك جيش الكيان الإسرائيلي «أم آي أم 104 باتريوت» (ياهالوم) النسخة المعدّلة لباتريوت الأميركي، لكنّها لا يُمكنها أن تُغطّي الاتجاهات كافة، وهي تُغطّي نفس الطبقات التي تُغطّيها أنظمة «مقلاع داود»، والتي ستكون كلّها أهدافاً لمسيّرات وصواريخ المقاومة بفعل صعوبة تحريكها.
أمّا نظام الدفاع الجوّي الأكثر تقدّماً «ثاد» الذي ستُرسله الولايات المتحدة إلى المنطقة، فيعترض الصواريخ البعيدة المدى والعالية، بحيث يصل مدى صاروخ «ثاد» إلى 200 كلم، وهو مصمّم لاعتراض الصواريخ الباليستية داخل الغلاف الجوي وخارجه، أي يُمكنه تخفيف آثار أسلحة الدمار الشامل قبل وصولها إلى الأرض في حال إطلاقها من دول عدوّة للولايات المتحدة وإسرائيل، ومن مميّزات هذا النظام هو إمكانية تحريكه بسرعة لتجنّب استهدافه.
لذلك، من الواضح أنّ الولايات المتحدة التي تُخطّط لأسوأ سيناريوات الردّ على قواتها في الشرق الأوسط، لن تقبل بإنهاء الحرب بلا مكاسب إسرائيلية بعد الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها منذ إطلاق «كتائب القسّام» عملية «طوفان الأقصى»، ورغبة تحالف روسيا - الصين - إيران بالقضاء على هيبة الولايات المتحدة، ما يؤثر سلباً على مصالح الأخيرة في الشرق الأوسط، أولاها فقدان الأمل باستكمال البحث في شأن الطريق الإقتصادي من الهند إلى أوروبا مروراً بتل أبيب، وغيره من الإنتكاسات على صعيد تغيّر التحالفات بين دول الخليج والولايات المتحدة.