جاد حداد

Old Dads... سطحي ومضمون فارغ

5 دقائق للقراءة

يتّسم فيلم Old Dads (الآباء القدامى) بعدد من الممثلين المدهشين، لكن لا يمكن وضعه في خانة الأفلام الحقيقية. إنه أمر مؤسف لأنه أول عمل يخرجه بيل بور في مسيرته. بور معروف بأنه كوميدي، وضيف في البرامج الحوارية، وصاحب تدوين صوتي، وقد فرض نفسه كواحد من أفضل الكوميديين الفرديين الذين تحولوا إلى ممثلين من بين أبناء جيله. هو يقدّم دوماً أداءً تمثيلياً أعمق مما يفرض عليه الدور في معظم الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي يشارك فيها، حتى أن أداءه يصل أحياناً إلى مستوى مبهر بمعنى الكلمة. كان تجسيده لشخصية «ميغز مايفيلد»، قناص إمبريالي سابق يتحول إلى مرتزق، في مسلسل The Mandalorian، من أفضل الأدوار التي خطفت الضوء في ذلك العمل، فهو بلغ ذروة درامية توازي المشهد الأخير الذي قدّمه الممثل كريستوف والتز في فيلم Django Unchained (فك قيود جانغو).

يعرض الفيلم في معظمه نظرة تهكمية عن «الصوابية السياسية» التي تشير عموماً إلى العجز عن التعبير عن أي رأي في لحظة معينة من دون مواجهة العواقب. يتمحور الثلث المتبقي من الفيلم حول أزمة منتصف العمر في حياة «جاك كيلي» (بيل بور) وصديقَيه المقرّبَين وشريكَيه في العمل (بوكيم وودباين وبوبي كانافال). هم يجدون أنفسهم في تخبّط دائم بعد بيع الشركة التي أسسوها معاً وكانت تُعنى بإنتاج نسخ من القمصان الرياضية الشهيرة.

بعد عملية البيع، يبقى الشركاء ضمن طاقم الموظفين، فيشرفون على طرد كل من هو مولود قبل العام 1988 (إنه موضوع يستحق الاستكشاف لأنه يتطرق إلى التمييز بين الناس بحسب أعمارهم، لكن يتعامل الفيلم مع هذه المسألة وكأنها أمر واقع). سرعان ما تتحول الشركة إلى نسخة ساخرة من شركات التكنولوجيا ووسائل الإعلام الرائجة في القرن الواحد والعشرين. لا يكف رب العمل الشاب «أسبين بيل» (مايلز روبينز) عن مخاطبة الأكبر منه سناً بعبارات ثقافية معاصرة تزامناً مع إنشاء أجواء تسمح له بفرض شخصيته على الجميع. إنه وضع كافٍ لإثارة غضب «كيلي» الصدامي والمعتدّ بنفسه، لكنه يواجه مع زوجته «ليندا» (كيت أسيلتون) مشاكل أخرى بسبب المدرسة الخاصة التي يقصدها ابنهما وتطغى عليها مظاهر العصر الجديد. يتمسك «كيلي» بأساليب التربية الشائعة في فترة السبعينات، فلا يكف عن التصادم مع الموظفين والمدراء والأهالي الآخرين، إذ يمثّل هؤلاء مجموعة تقدمية متساهلة تُعلّم الأولاد أن يعطوا الأولوية لعواطفهم وحساسيتهم قبل كل شيء آخر.

يبدو الجزء المتعلق بـ»الصوابية السياسية» في الفيلم أشبه بنسخة مخففة من البرامج التلفزيونية المتخصصة التي تستهدف أصحاب الآراء السياسية الرجعية وتطلق سيلاً من ردود الأفعال المضحكة التي يتم تداولها على نطاق واسع. يرتكز الفيلم على المعايير المعتمدة في عدد كبير من الأعمال الكوميدية التي تدور أحداثها في لوس أنجليس بعد بدء الألفية الجديدة، فيلجأ إلى مشاهد كوميدية رخيصة عبر جعل الشخصيات تتفوّه بكلمات غير لائقة في لحظات غير مناسبة، قبل أن تُستعمَل شخصيات عابرة («ليندا» في هذا الفيلم) للتعويض عن تعثّر الكتّاب والتأكيد على عجز هذا الأسلوب عن إقناع المشاهدين بأن العالم يسير في اتجاهات غير صائبة سياسياً. يقول الآباء الثلاثة في لحظة معينة: «من المؤسف أن يصبح الناس مدللين لهذه الدرجة اليوم».

في مرحلة مبكرة من الفيلم، يواجه «جاك» المشاكل في المدرسة لأنه يتأخر قليلاً في أخذ ابنه، فيفرض عليه مدير المدرسة غرامة وعقاباً. لإثبات ندمه، هو يضطر للانضمام إلى تحضيرات حفل لجمع التبرعات مع رفيقَيه. كما يحصل في معظم القصص من هذا النوع، يظهر «جاك» بصورة الرجل المحترم الذي فقد أعصابه للحظة، بينما يبدو الأشخاص الذين امتعضوا من غضبه حساسين بدرجة فائقة، فيميلون إلى إبداء ردود أفعال مبالغ فيها. يوحي الفيلم أيضاً بأن عقاب «جاك» هو جزء من مخطط لجعل الأهالي يعملون بلا مقابل.

ينقذ كانافال معظم مشاهده بفضل أدائه المتقن، فهو يجسّد دور الزوج والأب الذي تسيطر عليه زوجته، إذ يكفي أن تلوّح هذه الأخيرة بيدها لإخضاعه لرغباتها. هو يعتبر نفسه رجلاً عصرياً لن يخسر شبابه يوماً، ولا يكف عن التقرب من أشخاص أصغر سناً، فيخاطبهم بعبارات شعبية مستجدة ويحاول التظاهر بما ليس عليه لاكتساب الشعبية. في المقابل، لا يقدّم وودباين أداءً جيداً بالقدر نفسه لأن السيناريو لم يتعمق على ما يبدو في أزمة منتصف العمر التي يمر بها بل تقتصر الحبكة المرتبطة به على حمل حبيبته الأصغر منه بكثير. في أحد المشاهد من الثلث الأخير للفيلم، يخرج الأصدقاء الثلاثة البائسون والمعزولون عن محيطهم للسهر في البلدة. كان يُفترض أن تتخذ الأحداث في هذه المرحلة منحىً مؤثراً وواقعياً، لكن يفتقر العمل إلى الشجاعة أو المهارة اللازمة لإعطاء هذا الأثر، مع أن «كيلي» يتأمل في إحدى اللحظات حياته المبعثرة عبر مناجاة فلسفية، لكن تقاطعه رقصة مفاجئة لا يتنبّه لها بطل القصة، فيتلاشى أي أثر عاطفي محتمل في تلك اللحظة. باختصار، كان يمكن أن يتخذ الفيلم طابعاً أعمق بكثير.