منطق المردودية المادية هو أكثر ما يتحكّم اليوم بحياة الإنسان على الأرض، بل يتحكّم بالأرض نفسها، والذين يستبيحون الغابات لا يدرون أنّ ثمّة صلة عميقة بين النسغ الذي يسيل تحت لحاء الأشجار والدم الجاري في عروق البشر. وإذا كانت صحّة الأشجار ضمانة لبقاء الإنسان ووجوده، فإنّ تدمير الأرض، بالنسبة إلى أصحاب السلطة والقرار، أقلّ كلفة من حمايتها.
في هذا السياق، تقام ندوات ومعارض في مناطق مختلفة من العالم للفت الانتباه إلى المخاطر التي تتهدّد الأشجار وتنعكس على البيئة والإنسان معاً. ويأتي المعرض المقام حالياً في "مؤسسة كارتييه للفنّ المعاصر" في باريس تحت عنوان "نحن الأشجار"، ليلقي الضوء على جمال الأشجار وفوائدها وعلاقتها بالإنسان، من خلال نتاجات عدد من الفنانين والفلاسفة وعلماء النبات المعروفين بارتباطهم القوي والحميم بهذه الكائنات الدهريّة التي تواجه الآن تهديداً لا سابق له.
يقدّر العلماء عدد الأشجار في العالم بثلاثة آلاف مليار شجرة، ويحدّدون ظهور الشجرة الأولى في فترة تمتدّ بين ثلاثمئة وخمسين وأربعمئة وعشرين مليون سنة، بينما وجود الإنسان لا يتجاوز الثلاثمئة ألف سنة. ولقد ساعد التقدّم العلمي في العقود الأخيرة على الكشف عن أسرار كانت تغلّف عالم النبات، ومنها القدرات الحسّيّة التي تتمتّع بها الأشجار وإمكانات التواصل الكيميائي في ما بينها، وكذلك مدى تأثيرها على المناخ، لدرجة جعلت العلماء يتحدّثون عن "ذكاء نباتي" له مقوّماته الخاصّة التي يمكن أن تساهم في الإجابة على الكثير من التحدّيات البيئيّة الراهنة.
وبدل أن تكون الشجرة حليفًا للبشر في مواجهة تغيُّر المناخ والاحتباس الحراري وزيادة التلوّث، فإننا نشهد على تراجع في التعاطي معها. أحوال غابة الأمازون، مثلًا، تختصرها دراسات عدّة نُشرَت حديثًا وجاءت فيها هذه الأرقام المذهلة: في السنوات الأربعين الأخيرة، دُمِّرَ 763 ألف كيلومتر من مساحة الغابة، أي ما يوازي 184 مليون ملعب فوتبول، وضعفَي مساحة ألمانيا. كأنَّ جرّاراً زراعيّاً (طول شفرته الأماميّة ثلاثة أمتار) ظلّ يتقدّم بسرعة 756 كلم في الساعة لمدة أربعة عقود متواصلة. كانت محصّلة هذا الكابوس: 42 مليار شجرة مقطوعة، أي حوالى ألفَي شجرة كلّ دقيقة، أو ما يعادل ثلاثة ملايين شجرة في اليوم الواحد.
لا يقتصر الاستغلال الكثيف والمنظَّم على الغابات وحدها. منذ سنوات، تطالعنا في وسائل الإعلام العبارة الآتية: "اليوم تكون قد نضبت الموارد التي تنتجها الأرض خلال عام كامل". يعني أنّ استهلاك البشر، بل فئة محدودة منهم، لهذه الموارد يفوق طاقة الأرض على الاحتمال. وإذا تسنّى لجميع الناس أن يعيشوا حياة الاستهلاك التي تعرفها بعض الشعوب وفي مقدّمها الشعب الأميركي، فإنّ البشرية يلزمها، من أجل تأمين حاجاتها، خمسة كواكب على الأقلّ، بحسب التقرير الذي نشرته في كاليفورنيا منذ سنوات مؤسّسة "غلوبال فوتبرينت نتوورك".
نعم، تُستغَلّ الثروات الطبيعيّة الآن بصورة غير مسبوقة، وبطريقة تُستخدَم من أجلها تقنيات متطوّرة، وهذا ما يجعل الأرض تنوء بما يحمّلها إياه هذا الكائن العجيب الذي يأخذ من الطبيعة أكثر من طاقتها على التجدُّد والعطاء، بينما نصف سكّان العالم يُعاني من سوء التغذية. الفئة المستفيدة حفظت الأمثولة القديمة الأولى التي جاءت في الإصحاح الأول من "سفر التكوين": "املأوا الأرض وأخضعوها وتَسلّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلّ حيوان يدبّ على الأرض"...
وصلَت الرسالة، بالطّبع! والمستفيدون اليوم من هذه الوصيّة يحاولون تفريغ الكلمات من محتواها. شركة "إيكيا" IKEA السويديّة العملاقة التي تستغلّ غابات رومانيا بصورة غير شرعيّة (بعضها محميّات طبيعيّة)، أطلقت شعاراً يقول: "إيكيا تحمي غابات رومانيا العذراء". شركة "ماكدونالدز" تدعو الناس إلى "أكل الخُضار والفَواكه وممارسة الرياضة"، حرصاً على صحّتهم. بعض تجّار الأسلحة أصبحوا يشاركون في إنتاج أفلام تحثّ على حماية البيئة. أمّا منظّمة الأمم المتّحدة فلا تفتأ تعرب عن "قلقها البالغ" حيال مصير المدنيّين في مناطق النزاعات والحروب...
"إذا كنّا لا نتألّم لجريمة نقترفها بأيدينا، فهي ليست جريمة"، يقول أحد أبطال فيلم "اللاعب" للمخرج الأميركي روبرت ألتمان. الهدف الوحيد الذي يحرّك هذا اللاعب هو المال. الوصول إلى المال بأيّ طريقة، حتّى لو ذاب الجليد في القطب الشمالي، ووصلت الحرارة في باريس إلى 42 درجة، كما الحال الآن، في اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات.
الاعتبارات المادّية والاقتصادية هي الأساس في حسابات الدول المهيمنة اقتصاديّاً وسياسيّاً وثقافيّاً. وإذا استمرّت هذه الدول في معالجة المشاكل المطروحة في قمم المناخ، بالطريقة نفسها التي تعالج بها المشاكل السياسية، فهذا يعني أنّ فرضيّة عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستروس قد تكون هي الأقرب إلى الصواب. يقول ستروس: "وُجدَت الأرض قبل ملايين السنين من وجود الإنسان وستبقى ملايين السنين بعد أن يفنى وينقرض".