ما زلنا في المراحل الأولى من «عملية السيوف الحديدية» التي أطلقها الجيش الإسرائيلي رداً على مقتل أكثر من 1400 إسرائيلي نتيجة هجوم حركة «حماس» في 7 تشرين الأول. توقّع وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، خوض «حرب طويلة». في ظل توسّع حملة القصف الجوي، يستعد الجيش الإسرائيلي لتنفيذ غزو برّي واسع النطاق ضد قطاع غزة المكتظ بالسكان. من المتوقع أن يواجه الجيش مقاومة شرسة ميدانياً من جانب «حماس»، و»الجهاد الإسلامي» الفلسطيني، وجماعات أخرى ستحاول الاستفادة من تركيبة المدن، والسكان المدنيين، وشبكة واسعة من الأنفاق تحت الأرض للتفوق في هذه المعركة.
يُعتبر الجيش الإسرائيلي من أقوى جيوش العالم. تحوّل هذا الجيش إلى قوة فائقة بفضل التزام الولايات المتحدة القديم بضمان التفوق العسكري الإسرائيلي النوعي على أي خصوم محتملين عبر منحه مساعدات عسكرية بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً. بالإضافة إلى اتكال الجيش الإسرائيلي المفرط على قطاع التكنولوجيا المزدهر في إسرائيل، يسمح هذا الوضع بنشر جيش مكلف ومتطور تكنولوجياً، فيستعمل أنظمة جوية ودفاعات صاروخية متقدمة، وطائرات شبح، واستخبارات وقدرات استطلاعية متطورة.
لكن قد يكون سعي الجيش الإسرائيلي إلى التمسك بهذا التفوق التكنولوجي على خصوم أقل مستوى منهم تقنياً، مثل «حماس»، السبب في تشويش رؤيته. لم يفشل الجيش في استباق الهجوم المسلّح في 7 تشرين الأول بسبب اقتناعه بتفوّقه التكنولوجي فحسب، بل إن هذا العامل قد يكون عيباً تكتيكياً في الحملة البرية المرتقبة في غزة. لا يطرح هذا الجانب مشكلة للمرة الأولى، فقد ذكر المحللون أن هذا الهوس التكنولوجي كان وراء سوء أداء الجيش الإسرائيلي في الحرب مع لبنان في العام 2006.
سبق ولاحظت الأوساط الدفاعية الإسرائيلية نقاط الضعف في قدرات الجيش الإسرائيلي الهجومية منذ سنوات، وينشغل هذا الجيش راهناً بتعديل عقائده وبنيته تزامناً مع اختبار مفهوم جديد لخوض الحروب. هذه العملية غير المكتملة تجعل توقيت الحملة البرية المرتقبة سيئاً على أقل تقدير.
أغفل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن هجوم 7 تشرين الأول بسبب قُصْر نظره الاستراتيجي وغطرسته المعروفة، وينجم هذا الخلل أيضاً عن ثقة الجيش الإسرائيلي وأجهزة أمنية إسرائيلية أخرى بتطورهم التكنولوجي. نتيجةً لذلك، اقتنع المعنيون بأن إسرائيل قادرة على تحقيق مختلف أهدافها دفعةً واحدة، من دون الحاجة إلى القيام بأي مقايضات، ما يعني أن تتمكن من تحسين علاقاتها مع الدول العربية المجاورة تزامناً مع إقناع نفسها بأنها تتابع احتواء «حماس» وحلفائها، فتتجنب أي حاجة إلى التعامل مع التهديدات العسكرية الوشيكة التي يطرحها خصوم منضبطون ومندفعون وغير نظاميين بدأت قدراتهم التكنولوجية تتحسن في غزة وجنوب لبنان.
قد يكون السياج الحدودي «الذكي» أفضل دليل على هذا الموقف، فهو عبارة عن حاجز يمتد على 40 ميلاً في أنحاء قطاع غزة ويبلغ علوه 20 قدماً، وهو مزوّد بأجهزة استشعار متطورة وأسلحة رشاشة يمكن التحكم بها عن بُعد. يحمل هذا السياج اسم «الجدار الحديدي» أيضاً، وقد كان مسؤولاً عن شيوع قناعة خاطئة لأقصى حد مفادها أن الوضع لا يستلزم نشر أعداد كبيرة من قوات الجيش الإسرائيلي
ميدانياً لمنع أي توغلات محتملة، ما سمح بنشر المزيد من قوات الجيش الميدانية في الضفة الغربية وأماكن أخرى. هذا الشعور الخاطئ بالأمان زاد سوءاً بسبب قناعة أخرى مفادها أن نظام «القبة الحديدية» للدفاع الصاروخي الإسرائيلي، الذي بدأ استعماله للمرة الأولى في العام 2011 وكان مُصمّماً في الأصل لاعتراض الصواريخ والمدفعيات قصيرة المدى، سيضمن حماية مناسبة ضد الاعتداءات الصاروخية والمدفعية من غزة وجنوب لبنان في حال اندلع صراع واسع النطاق. زاد الاقتناع بهذه الفكرة أيضاً بسبب غياب أي خيارات استراتيجية صعبة يُفترض أن يتخذها المعنيون نظراً إلى استعمال نظام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الإسرائيلي، ما يجعل غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية من أكبر المساحات الخاضعة للمراقبة في العالم. ظنّ الإسرائيليون أن هذه التدابير تمنحهم الوقت الكافي لتلقي التحذيرات والرد على أي تهديدات عسكرية ناشئة.
في ما يخص الجانب الاستراتيجي من صناعة القرارات السياسية والعسكرية، أعطى التركيز المفرط على التكنولوجيا المتطورة عواقب مباشرة على طبيعة عمليات الجيش الإسرائيلي، فهو ساهم أولاً في طرح عقيدة تكتيكية ترتكز على الدفاع والقوة المسلحة (لا سيما الضربات الصاروخية من الجو) بدل الاتكال على مناورات القوات البرية لتحقيق الأهداف العسكرية. تظهر هذه العقيدة بكل وضوح في استراتيجية «جز العشب» التي يطبقها الجيش الإسرائيلي، ما يعني مهاجمة قيادة «حماس» وعدد من شبكاتها العسكرية بدل استئصال الجماعة بالكامل. كانت هذه الاستراتيجية تتطلب توغلات برية محدودة في غزة وحصل آخرها في العام 2014.
تتعلق إحدى نتائج استراتيجية «جز العشب» باقتناع الجيش الإسرائيلي بتراجع حاجته إلى الاستعداد لأي عمليات برية واسعة النطاق. لهذا السبب، تراجعت مهارات الجيش المختلطة في الوحدات الميدانية خلال السنوات الأخيرة. بدل الاستعداد للحروب المستقبلية، انشغلت تلك الوحدات بحراسة الضفة الغربية وحماية المستوطنين.
في محاولة لمعالجة هذا الاتكال المفرط على التكتيكات الدفاعية والاعتداءات المحدودة، يطوّر الجيش الإسرائيلي راهناً مفهوماً جديداً للعمليات اسمه «الانتصار الحاسم»، لكنه يجازف بالوقوع في الفخ التكنولوجي نفسه مجدداً. يرتكز «الانتصار الحاسم» على أسس تشبه ركائز عدد كبير من مفاهيم العمليات الجديدة في جيوش حلف الناتو: تعدّد المجالات، والعمليات العسكرية المختلطة بدعمٍ من الذكاء الاصطناعي، حيث تستعمل قوات متفرقة وأكثر استقلالية الأسلحة الموجّهة لهزم الخصوم سريعاً. تشمل هذه المقاربة خليطاً من الضربات دقيقة التوجيه من الجو، ووحدات ميدانية أصغر حجماً وأكثر حيوية يمكن نشرها بسرعة متزايدة، واستعمال التعلم الآلي لتحديد المواقع وتعقبها واستهدافها.
باختصار، يرتكز مفهوم «الانتصار الحاسم» على الفرضية القائلة إن قدرات نظام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المتفوّقة، بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي والذخائر الذكية، قادرة على تحسين الأداء القتالي للجيش الإسرائيلي تزامناً مع تقليص حجم القوات اللازمة لتنفيذ العمليات العسكرية. لكن أثبت هجوم 7 تشرين الأول أن الاتكال المفرط على التكنولوجيا محكوم بالفشل إذا تدمرت أو تعطّلت التقنيات الكامنة وراء المفهوم الحربي وإذا كان الجيش يفتقر إلى قوات ميدانية. من دون أي أصول عسكرية تقليدية، مثل القوات الناشطة على نطاق واسع والقابلة للانتشار السريع، قد يفتقر الجيش الإسرائيلي إلى خطة احتياطية للرد سريعاً على أي هجوم قوي أو ظروف عسكرية سريعة التبدّل.
لم يطبّق الجيش الإسرائيلي مفهوم العمليات الجديد بعد بسبب تأخّر برنامج «تنوفا» الذي يمتد على خمس سنوات ويشمل إصلاحات عسكرية بدأت في العام 2020. يتعلق سبب آخر بمتابعة انشغال الجيش باختبار المفهوم الجديد.
أنشأ الجيش الإسرائيلي مثلاً وحدة «الشبح» التجريبية لقوات العمليات الخاصة لاختبار جزء من أسس مفهوم «الانتصار الحاسم». (قُتِل قائد الوحدة خلال القتال في 7 تشرين الأول). يمكن إيجاد عناصر من «الانتصار الحاسم» أيضاً في عدد كبير من الوحدات الأخرى داخل الجيش الإسرائيلي، وستؤثر ركائزه حتماً على التخطيط للعمليات خلال الغزو البري المرتقب ضد غزة.
لكن ما معنى إصرار الجيش الإسرائيلي على اللجوء إلى الحلول المتطورة تكنولوجياً لإطلاق الغزو في غزة وأماكن أخرى؟
على المستوى التكتيكي، لم يتوهم الجيش الإسرائيلي في أي لحظة بأن التقنيات الناشئة ستجعل الصراع العسكري أقل دموية أو شراسة. بل يعترف الجيش بأن الخسائر البشرية لدى الطرفَين ستكون هائلة ويتوقع أن تطول أي حملة من هذا النوع، مع أن الجيش يفضّل العمليات القصيرة والحاسمة. قد يزيد الوضع تعقيداً بسبب غياب أي تدريبات عسكرية مختلطة بين الوحدات الناشطة والاحتياطية، باستثناء عدد من الفِرَق النخبوية.
وحتى لو أثبت الجيش الإسرائيلي قدرته على التكيّف مع الظروف التكتيكية المتبدلة في الماضي، لا مفر من أن يترافق خوض المعارك في الوقت الراهن مع مجازفات كبرى. تمرّ قواته العسكرية بمرحلة من التكيّف التكنولوجي والعقائدي اليوم، وترتكز نشاطاتها على قوة القدرات التكنولوجية الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي. عملياً، قد يؤدي التخلي الجزئي عن العقيدة القائمة، تزامناً مع فهمٍ بدائي لمفهوم العمليات الجديد، إلى زيادة التخبّط خلال عمليات الجيش الإسرائيلي. نتيجةً لذلك، قد يضعف الهجوم الوشيك، فيكون مجرّد نسخة مألوفة من تكتيك «جز العشب»، لكن يتم تطبيقه هذه المرة على نطاق أوسع ولفترة أطول. لهذا السبب، قد يصبح تحقيق انتصار شامل مجرّد وهم.
على المستويَين السياسي والاستراتيجي، قد يؤدي استمرار الثقة بالتفوق العسكري النوعي، بناءً على اقتناء تقنيات متفوّقة، إلى انتشار تفاؤل مفرط وسط الإسرائيليين مقارنةً بواقع الحرب ميدانياً. هذا الوضع قد يسمح لحكومة نتنياهو بالصمود، لفترة معينة على الأقل، رغم الفشل المحتمل.