رواد مسلم

الهجوم الإسرائيلي يتقدّم بسرعة قبل الإصطدام بالمدن

5 دقائق للقراءة
آلية عسكرية إسرائيلية تتجوّل قرب الحدود مع قطاع غزة أمس (أ ف ب)

يتقدّم جيش الكيان الإسرائيلي برّياً على ثلاثة محاور نحو عمق قطاع غزة الشمالي لمحاصرة مدينة غزة، ضمن جبهتين. ففي الجبهة الشمالية، هناك محور شمال غرب مدينة جباليا في اتجاه شمال غرب مدينة غزة، حيث وصلت المدرّعات الإسرائيلية بسرعة في الأيام الأولى للتوغّل في تخوم شمال مخيّم الشاطئ، ذات الكثافة العمرانية السكنية، بعدما تقدّمت في المناطق الزراعية المحروقة. ومن غير المستبعد أن تتجنّب القوات المُهاجمة الدخول إلى المخيّم لتدنّي أهميّته التكتية نسبةً إلى أهمية حصار مدينة غزة بسرعة وقطع كلّ المواصلات فوق الأرض وتحتها، وبالتالي يُصبح أسهل الدخول إلى المخيّم، كما خوفاً من حجم الخسائر البشرية التي ستلحق بالمشاة الإسرائيليين، بل من المتوقّع الانعطاف شرقاً نحو الشوارع الرئيسية المتّجهة إلى مدينة غزة، مثل شارع النصر وسط القطاع الشمالي.

وفي هذا المحور تكبّدت القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية بعد تدمير كتائب القسّام 6 دبابات «ميركافا 4» وناقلتَي جند «نمر» وجرّافة في يوم واحد بواسطة المسيّرات المفخّخة، ومن خلال أسلحة مضادة للدروع أبرزها «الياسين 105»، وذلك من خلال استخدام شبكة الأنفاق لمفاجأة قوات العدو المُهاجمة التي لا يُمكنها التخفّي بسبب طبيعة الأرض المفتوحة، وضعف استعلامها التكتي المفترض أن يكشف مواقع الأنفاق قبل التوغّل لتجنّبها أو تدميرها، وبواسطة نشر الألغام المضادة للمدرّعات، منها ألغام «المسطرة».

المحور الثاني، شمال شرق مدينة بيت لاهيا في اتجاه وسط غزة، حيث تجري الاشتباكات من المسافة صفر، بعدما تقدّمت القوات الإسرائيلية 2 كلم إلى بيت حانون وانتقلت إلى حرب المدن التي تُعطي المُدافع صاحب الأرض أفضلية قتالية تكتيكية على المُهاجم، علماً أنّ في هذا المحور تمكّنت «كتائب القسّام» من الإغارة على بقعة تجمّع آليّات العدو في منطقة إيريز منذ ثلاثة أيام وسط الحدود الشمالية لقطاع غزة، وبالتالي إتّبعت المقاومة أسلوب القتال خلف خطوط العدو لإرباكه وإضعاف قدراته المعنوية، لكن القوات الإسرائيلية تستفيد من الإسناد الجوّي الذي يرتكب مجازر بحق المدنيين، كان آخرها في جباليا، بحجّة وجود مقاتلين من «كتائب القسّام» هناك.

المحور الثالث يعتبر الأساسي للتوغّل، ففي الجبهة الشرقية حيث عظيم القوى المُهاجمة تتقدّم من خلال هذا المحور، الذي يهدف إلى فصل القاطع الشمالي لقطاع غزّة عن جنوبه، فقد انطلقت المدرّعات الإسرائيلية من الخاصرة الرخوة لشرق قطاع غزّة أي وادي غزّة، حيث المناطق الزراعية المفتوحة، ووصلت إلى بُعد 1.5 كلم عن طريق الرشيد غرب القطاع بعد عبور شارع صلاح الدين، وهذا التقدّم في اتجاه الشاطئ ليس إلّا بداية المعركة، فبعد وصول المدرّعات إلى طريق الرشيد التي تبعد 6 كلم عن السياج الحدودي الشرقي، ستنتقل القوات المُهاجمة إلى حرب الأماكن المبنية شمالاً، وحرب التثبيت والدفاع جنوباً.

ومن غير المستبعد أن تتكبّد القوات الإسرائيلية التي ستحشد أعداداً كبيرة جدّاً من المدرّعات والآليات الهندسية على هذا الخطّ، خسائر بشرية ومادية هائلة في هذا المحور، خصوصاً إذا تمكّنت المقاومة من حصارها بعد زجّ المشاة والمدرّعات والهندسة الإسرائيلية، وذلك من خلال عمليات إغارة في الجهة الشرقية لقطع الإمدادات اللوجستية، أو القتال خلف خطوط العدو بواسطة الأنفاق التي تمتدّ إلى داخل غلاف غزة.

على الرغم من مواجهة «كتائب القسّام» توغّلات القوات الإسرائيلية، إلّا أنّ التقدّم الإسرائيلي ما زال يتطوّر بسرعة لمحاصرة مدينة غزة، لكن في هذه المرحلة يُقدّم سلاح الجو الإسرائيلي الدعم الناري الكافي للقوات المتقدّمة ضمن ما يُسمّى التمهيد الناري، فضلاً عن تدمير البنى التحتية العسكرية والمدنية في عمق القطاع، لعدم استخدامها من قبل المسلّحين عند دخول المشاة إلى داخل المدن مثل الأبراج. لكن عند اقتراب مسافة الإشتباكات إلى مسافة متدنية، لن يستطيع سلاح الجوّ الإسرائيلي تقديم أي دعم جوي قريب للقوات البرّية، حتّى لو كانت الذخائر دقيقة وموجّهة، إذ إنّ أضرارها الجانبية من الشظايا القاتلة ستؤثّر سلباً على قواته، وبالتالي ستكون الأفضلية للمقاومة المسلّحة التي بنت الأنفاق وتدرّبت في هذه المناطق ولديها خبرة عالية في القتال المتقارب.

حسب العقيدة القتالية لجيش الكيان الإسرائيلي، ليس مستبعداً أن تقوم القوات الإسرائيلية بعمليات إنزال وإبرار أو فتح محاور خداعية متعدّدة يُمكن أن تكون في القاطع الجنوبي لقطاع غزة، لتشتيت المقاومة الفلسطينية قبل أي هجوم برّي مفاجئ وسريع. ولمواجهة نقطة ضعف القوات الإسرائيلية في القتال المتقارب، ستستعين القيادة الإسرائيلية بالاستخبارات الأميركية وبالصور الجوية الآنية للأقمار الاصطناعية، وبكلّ الوسائل المتوافرة، لمواجهة المسلّحين داخل القطاع، لكن هل ستستطيع القوات الإسرائيلية تحقيق هدفها بالقضاء التام على «حماس»؟ وفي المقابل، هل ستتمكّن «حماس» من مواجهة جيش الكيان وهزيمته بواسطة الأنفاق والمفاجآت؟