حسان الزين

غلاف اللغة والعقل

3 دقائق للقراءة

قاسية هي عبارة «غلاف غزّة». القسوة، هناك، في غزّة المساحة الضيّقة والمزدحمة من الكوكب، تنفجر وتقتل. هكذا، يبدو التوقّف عند عبارة «أمراً تافهاً»، أو «ترفاً» وسط البؤس. لكنّ ذلك لا ينزع القسوة عن عبارة «غلاف غزّة»، وعن كلمات كثيرة تُرمى كصواريخ ذكيّة.

«غلاف غزّة» ليست عبارة أو عنواناً فحسب. هي نهج إسرائيلي سياسي وعسكري واستيطاني تجاه قطاع غزّة وسكّانه ومحيطه، وتجاه اللغة والثقافة أيضاً. واللغة والثقافة العربيتان، منذ بدأ الصراع العربي- الإسرائيلي، أحد مسارح ذاك الصراع. ومقابل الأدب والخطابة وكل الأسلحة اللغوية التي استخدمها المدافِعون العرب عن القضية والشعب الفلسطينيَين، ثمة ترسانة لغوية - ثقافية إسرائيلية موجّهة إلى اللغة والثقافة العربيتين.

ومن بين تلك الترسانة عبارة «غلاف غزّة» التي باتت تُستخدم، عربيّاً، من دون تفكير في جوهرها أو فحص لدلالاتها، على الرغم من غرابتها. وقد حلّت، أو تكاد، مكان «محيط» غزّة أو «جوارها». علماً أنّها ليست مفردة جغرافية محايدة. «غلاف غزّة» هو المنطقة العازلة حول القطاع. أي أنه، بالنسبة إلى إسرائيل، الجدار حول سجن غزّة. والمستوطنات الخمسون هناك، وهي قابلة للتوسّع والازدياد، هي «حارس حدود الدولة»، وهي مقدّمة المواجهة الخطرة مع العدو المحاصر. لهذا، ومنذ بوشر في بناء ذاك «الغلاف»، تَمنح الحكومة الإسرائيلية والمنظّمات الداعمة للمستوطنين امتيازات «حربية». وقد اعتمدت الحكومة الإسرائيلية عبارة «غلاف غزّة»، وجعلتها مصطلحاً سياسياً وأيديولوجيّاً، لكونها تحمل هذا المعنى «الوظيفي» المشحون بالبعد المعنوي. والعقل الإسرائيلي حين صاغ هذا المصطلح وبثّه، لم يجمّله لفظيّاً ولم يستبدل كلمة بأخرى. بل جعله «فجّاً وواقعيّاً». ويمكن اعتباره صريحاً بقدر ما هو مضمِر وغائي. وفي مقابل تلقّي الإسرائيليين، لا سيما المستوطنين، هذا المصطلح فاستجاب منهم مَن استجاب لمخزونه الوظيفي، شَعَرَ الغزاويون بمعناه المجسّد: المستوطَنات احتلال وإحلال، والمستوطنون محتلّون... وسجّانون. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الهجوم على ذاك «الغلاف» في 7 تشرين الأول 2023.هكذا، يبدو الاستخدام الفلسطيني عموماً والغزاوي خصوصاً لعبارة «غلاف غزّة» ضدّياً ومحتشداً بالواقعية. بينما استخدامه عربيّاً، وفي الإعلام عموماً، مفرّغ من المضمون الواقعي، ومنزوع الدسم.

وهذا بمثابة «نجاح» للعقل والخطاب الإسرائيليين خلف خطوط اللغة العربية والمعايير الأخلاقية للإعلام والقيم الإنسانية والحقوقية في القوانين والمؤسّسات الدولية. وقد تجاوز الأمر استبدال كلمة بأخرى، مثل استخدام عبارة «تحييد فلسطيني» بدلاً من «قتل فلسطيني»، كما تفعل البيانات الإسرائيلية وتستجيب لها وكالات ووسائل إعلام. وهذا نموذج مما يجري في لسان العرب ولغات أخرى.

أليس ذلك قاسياً؟ أليس لعباً باللغة والعقل إحلالُ كلمة «غلاف» بدل «جدار سجن»، أو استخدام عبارة «الدفاع عن النفس» بدلاً من «القتل الجماعي العلني»؟

لكن اللغة لا تؤسر وإن غُلِّفت.