لطالما كانت الأعمال العسكرية الميدانية مرتبطة بالأهداف السياسية، أو منبثقة من القرارات السياسية في سبيل تحقيقها، بيد أنّه في حالة الحرب الإسرائيلية الدامية على قطاع غزة، فإنّ الواقع الميداني أفقد إمكانية تحقيق الهدف السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» بإثبات قدرتها على الحكم في غزة والدفاع عنها، أو حتى إبراز سلطتها الأقوى لإدارة الضفة الغربية وغزّة معاً. فبالرغم من التعاطف العربي والدولي تجاه الفلسطينيين، خصوصاً من الدول العربية التي سلكت طريق التقارب مع الغرب، لكن هذا التعاطف ليس مع «حماس» التي «ورّطت» غزة بهذا الكمّ من الويلات، حتى وصل الأمر للحديث في الإجتماعات حول من سيحكم القطاع بعد الحرب، وإن كان من المستحيل القضاء الكلّي على «حماس»، وعدم إشراك أي من ممثّليها السياسيين في المفاوضات لوقف إطلاق النار وإطلاق الأسرى، بل يحصل ذلك من خلال دول وسيطة.
صحيح أنّ «حماس» إختارت التوقيت المثالي لإطلاق عملية «طوفان الأقصى»، في وقت تتزايد فيه الإنقسامات السياسية في الداخل الإسرائيلي، خصوصاً خلال فترة الإعتراضات العسكرية على القرارات الحكومية، وبالفعل تمكّنت هذه العملية من توجيه صفعة قاسية للهيبة الإسرائيلية الأمنية، وإبراز نقاط الضعف لدى جيشها الذي كان كلّ العالم مغشوشاً بقدرته الإستخباراتية والتكنولوجية، إلّا أنّ «حماس» لم تضع خططاً عسكرية لصدّ ردّات الفعل الإسرائيلية، التي أتت ضمن أسوأ السيناريوات المتوقّعة، بإجتياح برّي كبير قسّم شمال غزّة عن جنوبها، وبارتكاب أبشع المجازر ضدّ الإنسانية نتيجة إستراتيجية التدمير الشامل الذي يقوم به القصف المدفعي والبحري وسلاح الجوّ، بوتيرة عالية جدّاً من الغارات التي لم تتوقّف منذ 35 يوماً، وبحصار لاإنساني محكم لكامل القطاع، بهدف القضاء الكلّي على «حماس» الذي يعتبر صعباً جدّاً تحقّقه بالوسائل العسكرية فقط.
أمّا ميدانيّاً، فالقوات الإسرائيلية التي تتقدّم برّياً وبشكل سريع على ثلاثة محاور رئيسية لمحاصرة مدينة غزة، يُمكن أن تقع في فخّ القتال في المدن التي قد تكون «حماس» إستدرجتها للوصول إلى مدينة غزة ومخيّم الشاطئ شمال غرب غزّة، حيث الكثافة البنائية وموقع تجمّع البنى التحتية القتالية لـ»حماس»، بعدما تقدّمت من الشمال والشرق في أراضٍ زراعية ومفتوحة.
فالمقاومة في قتال المدن لها الأفضلية القتالية لإمكانية إستخدامها الأنفاق المعقّدة التي بنتها تحت الأرض بطول 500 كلم وبعمق أقصى يصل إلى 40 متراً، وتتركّز في القاطع الشمالي لقطاع غزّة، وبالتالي تعريض تحقيق هدف جيش الكيان الإسرائيلي لخطر الإستنزاف وتكبيد القوات البرّية خسائر كبيرة لطول فترة القتال، في حين تواجه القوات الإسرائيلية تقييداتٍ، أوّلها ملف أسراها المدنيين والعسكريين لدى «حماس»، التي بدأت تربط إطلاق سراح مجموعة من الأسرى بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ولو كانت لفترات موَقتة، وثانياً بتقييدات الوقت، حيث أن العالم كلّه يُريد وقف إطلاق النار سريعاً، وثالثاً عدم تحمّل المجتمع الإسرائيلي أعداداً كبيرة من القتلى الذي سيُسبّبه القتال في المدن غير الصديقة.
يبدو أنّ المقاومة تتمكّن من صدّ العدو على تخوم المدن، فقد وثّقت «كتائب القسّام» عمليات تدمير 152 مدرّعة إسرائيلية خلال الأيام الأخيرة، مستفيدة بشكل تكتي مميّز من الأنفاق، وبإستخدام صاروخ «الياسين 105» أو من خلال الأعمال الفدائية بتفجير المدرّعة من المسافة صفر، هذا ما دفع جيش الكيان إلى زجّ أعداد كبيرة من المدرّعات القديمة داخل القطاع مثل دبابة «أم 113»، التي لا تملك رادارات وأجهزة دفاع جوّي ذاتي، ما يُعرّضها للهجمات من الأسلحة التي تملكها المقاومة، وذلك لتجنّب تدمير الدبابات الأكثر تطوّراً مثل «ميركافا 4» التي لا يملك أعداداً كبيرة منها تُغطّي القطاع الشمالي (200 دبابة حسب مصادر عسكرية غير رسمية)، ما يوضح أنّ إمكانية الحسم العسكري للقوات الإسرائيلية داخل المدن صعبة جدّاً.
من خلال المؤشرات الميدانية، لن تتمكّن القوات الإسرائيلية ولا «حماس» من الحسم العسكري، فبالرغم من تمكّن جيش الكيان من إفقاد أمل تحقيق هدف «حماس» السياسي، لا يزال هناك خصوم سياسيون كثر لإسرائيل في المنطقة يُمكنهم الإستفادة من حرب الإستنزاف التي دخل فيها جيش الكيان، لمساعدة «حماس» أو لنصرة القضية المركزية، وذلك من خلال فتح الجبهات لتكون الحرب شاملة. لكن ما يردعهم عن القيام بهذه الأعمال هو الوجود العسكري الأميركي الذي يزداد قوّة، خصوصاً بعد وصول الغواصة النووية «أوهايو» وتحليق الطائرة الإستراتيجية «بي 1 بي»، فضلاً عن حاملتي الطائرات الراسيتَين في الشرق الأوسط، ما سيضيّع كلّ الإستثمارات السياسية الناجحة التي حقّقها سياسيو الممانعة في الماضي، وسيؤدّي أي تحرّك غير مخطّط له بدقّة إلى تغيير سياسي جديد للشرق الأوسط أو حرب عالمية مدمّرة.