حسان الزين

"1984" مجدداً

3 دقائق للقراءة
لوحة الملثّم للتشكيلي اللبناني أيمن بعلبكي

يصوّر الكاتب البريطاني جورج أورويل في رواية «1984» مجتمعاً كاملاً تحت رقابة «الأخ الأكبر» (Big Brother) وسلطته وسطوته الدعائية. لا أحد يأكل أو يشرب أو يتنفّس خارج القيود والتوجيهات الصارمة. ولا مجال في ذاك المجتمع حتّى لذكر المشاعر والآراء. فهذه وتلك للوأد قبل أن تبدآ التكوّن وليس قبل أن تولدا.


لم أتذكّر هذه الرواية التي تُعتَبر واحدة من أبرز الأعمال الأدبية في القرن العشرين، في معرض تذكّر الاتحاد السوفياتي، علماً أنّها مثل شقيقتها «مزرعة الحيوان» (Animal Farm) موجّهة ضد نظامه الشمولي القابع خلف ستاره الحديدي.


تذكّرت العالم الشمولي القاسي في رواية «1984»، التي ألّفها أورويل بعد الحرب العالمية الثانية بسنوات في 1949، بالتزامن مع الحرب الوحشيّة على الفلسطينيين في غزّة. وليست سطوة السردية الإسرائيلية على السياسة والديبلوماسيّة والإعلام في الغرب، ولا سيما في الأيّام الأولى من الحرب، هي ما استعاد «1984»، على رغم أن ذلك ينتمي إلى الأحادية والشموليّة وليس إلى الديمقراطية التي تفترض الحفاظ على حيّز للسردية أو السرديّات الأخرى. ما جعل العالم الشمولي يحضر أمامي، ويجثم فوق صدري، هو تلك الرقابة والدعاية الأيديولوجيّة اللتان ترفضان الآخر والآراء المختلفة والمشاعر الإنسانيّة المتنوّعة والحيّة. وهما ناشطتان ومستشرستان الآن لقولبة البشر، إن لم يكن عبر السيطرة الناعمة على العقول فمن خلال محاصرة المصالح وتهديدها.


ويتجلّى ذلك في الاندفاع الإسرائيلي لاحتكار العالم الافتراضي والفضاء الإعلامي والمساحات الثقافية، إضافة إلى السياسة والديبلوماسية.

وإذ إن السيطرة على الأفراد من آليّات هذا النهج وأهدافه لم يكتفِ بالتأثير واستجابة كثير من الحكومات والمؤسّسات والمنصّات والجماعات، وحتّى الأفراد، بل تراه يراقب، مثل «الأخ الأكبر»، الأفراد في تلك الحكومات والمؤسّسات والمنصّات والجماعات. وبعدما كان هذا النهج الشمولي الاحتكاري خفيّاً تسلليّاً بات مثل «الأخ الأكبر» علنيّاً، وباتت العلنيّة جزءاً من سلطته وإحدى أدواتها الغليظة.

ومن ضمن رقابة هذا النهج الأفراد وملاحقته لهم، يعمل للإطباق على مساحاتهم الخاصّة من خلال تأثيره على المؤسّسات التي يعملون فيها. فهؤلاء الأفراد، وفق منطقه، عليهم أن ينصاعوا لأحكامه، مثلما تستجيب لها الحكومات والمؤسّسات والمنصّات والجماعات. وإلا يكونون معادين فيخضعون للعقاب. وفي هذه الحالة يعاقبون باسم قوانين تلك الحكومات والمؤسّسات والمنصّات والجماعات، أو باسم النهج، أو باسم «الموضوعيّة». وذلك فوق الدساتير والديمقراطية والحرية. فهذه لا مكان لها تحت رقابة «الأخ الأكبر» والسردية الأحادية. لا مساحات خاصة، ولا مشاعر، ولا آراء شخصيّة، ولا من يحزنون، في قبضة النظام الشمولي، في «1984» وفي 2023.


ومن نماذج هذا النهج: توقيف «BBC» العربية إعلاميين فيها عن العمل لكونهم عبّروا عن مشاعرهم وآرائهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وليس على شاشتها ومنصاتها. واستبعاد لوحتين للتشكيلي اللبناني أيمن بعلبكي من العرض في مزاد «كريستيز» لفنون الشرق الأوسط في لندن، لكونهما تصوران «ملثّماً» و»مجهولاً».

مقابل ذلك، يقول التاريخ إن الأحادية ليست من طبائع البشر وسُنن الحياة، وإن الشمولية تنهار.