غيوم بيرو

حين كان نابليون بونابرت في غزة

13 تشرين الثاني 2023

المصدر: Le Figaro

02 : 00

لوحة "بونابرت في يافا" بريشة انطوان جان جروس (1804)

يصعب أن نتصوّر أن نابليون بونابرت قصد غزة، لكنه دخل إليها فعلاً على رأس جيش فرنسي، في 26 شباط 1799. بعد استقراره في قصر الباشا، أرسل خطاباً إلى الجنرال ديسايكس الذي كان متواجداً حينها في صعيد مصر. حمل البريد في أعلاه عبارة «المقر الرئيسي: غزة»، مع تاريخ «27 شباط 1799». وصف القائد الأعلى منطقة غزة للجنرال ديسايكس قائلاً: «أشجار الحامض، غابات الزيتون، أراضٍ متعرّجة... هذه المظاهر كلها تشبه إلى حدّ كبير المناظر الطبيعية في لانغدوك. قد نظنّ للحظة أننا في بلدة بيزييه».



عندما كان بونابرت يُملي رسالته، راح المهندس الجغرافي بيار جاكوتان يقيس المسافات في شوارع غزة عبر احتساب الخطوات واستعمال البوصلة في آن، فأخذ قياسات المدينة ورسم خرائطها. كان هذا الأخير ليصبح لاحقاً المُعِدّ الرئيسي لخارطة فلسطين المرسومة بمقياس 1/100000. في غضون ذلك، يكتب ألكسندر لاكور، مواطن كُلّف بتأمين الإمدادات، انطباعاته عما حصل، فيروي بأسلوب عاطفي في مذكراته تجربة وصوله إلى غزة «المشهورة جداً في الكتب المقدسة»، في إشارة إلى قصة شمشون. يذكر الكتاب المقدس أن هذا المقاتل العبري، الذي كان يتمتّع بقوة خارقة، وقع ضحية خيانة كبرى وسُلّم إلى الفلسطينيين القدامى (يشتق اسم فلسطين منهم)، فسيق إلى غزة وأصبح خادماً هناك قبل أن يأخذ انتقامه.

أوضح عالِم الرياضيات مونج، الذي كان مقرّباً من بونابرت ورافقه إلى فلسطين حينها، للفرنسيين المحيطين به أن تلك البلدة تشكّل الحدود الجنوبية لمملكة كنعان الواردة في سفر التكوين.

باختصار، أبحر بونابرت وجنوده وعلماؤه نحو مصر في تموز 1798 ثم استقرّوا في غزة. كيف يمكن تفسير هذا النوع من مراحل التاريخ غير المتوقّعة؟

مهمّة حضارية

قبل سنة على تلك الأحداث، في بداية العام 1798، كان بونابرت جنرالاً في الثامنة والعشرين من عمره، وكان يعيش نشوة الانتصار في حملة إيطاليا. لطالما حَلِم بونابرت بمضاهاة فتوحات الإسكندر الأكبر، فأخبر أحد المقرّبين منه يوماً: «كل شيء ينتهي هنا. لم أعد أملك أي مجد عظيم. أوروبا الصغيرة لا تقدّم لنا الكثير. يجب أن نذهب إلى الشرق لأن جميع الأمجاد العظيمة تأتي من هناك». كانت طموحاته وأفكاره تتماشى مع مشاريع المديرية التي حكمت فرنسا الثورية في تلك الحقبة وخاضت الحرب ضد إنكلترا. قرّرت المديرية حينها إرسال بعثة عسكرية إلى مصر لقطع الطريق البرّي المؤدي إلى الهند.

كان وزير الشؤون الخارجية في المديرية الفرنسية، تاليران، مقتنعاً بأن الجنود الفرنسيين الذين انطلقوا نحو مصر لن يُعتبروا غزاة، بل سيتمّ استقبالهم كمحرّرين للشعوب المحلية التي تريد التخلّص من وصاية المماليك. في الوقت نفسه، كانت النُخَب السياسية والفكرية في فرنسا الثورية تعتبر إرسالهم أمراً مشروعاً. هكذا أصبح استعمار فرنسا الدائم لمصر بحجّة مهمّتها الحضرية جزءاً من الأهداف التي تستطيع البعثة تحقيقها، حتى لو لم تكن هذه العملية المهمّة الوحيدة التي كُلّف بها بونابرت.

عبور الصحراء

حصل بونابرت على حرية الاختيار بين ثلاثة سيناريوات، بحسب الظروف التي يقابلها هناك: إنشاء مستعمرة (لأن باريس كانت تخشى أن يغزو الإنكليز جزر الهند الغربية الفرنسية)، أو قطع الطريق البري نحو الهند تزامناً مع غزو الشعوب التي تمرّ في طريق البعثة وعقد التحالفات مع الأفغان ضد البريطانيين، أو التوجه نحو القسطنطينية. قد لا نصدّق اليوم هذا النوع من السيناريوات الجامحة، لكن هكذا كانت التعليمات التي وجّهتها المديرية الفرنسية إلى بونابرت بعد إبحاره نحو مصر في 1 تموز 1798. باستثناء شخصيات نادرة مثل ميرابو، يموت رجال الثورة الفرنسية في عمر مبكر بشكل عام، وهم لا يدركون حجم تجاوزاتهم. بالنسبة إلى ذلك الجيل الذي لا يشبه أي أجيال أخرى، لا حدود للأهداف التي يمكن تحقيقها بفضل قوة الإرادة، شرط الحصول على الوسائل اللازمة للتحرك.

بعد هزم المماليك خلال معركة إمبابة (في 21 تموز) والدخول إلى القاهرة، تلقّى بونابرت خبر الكارثة البحرية في أبو قير (في 1 و2 آب): دمّر الأميرال نيلسون الأسطول الفرنسي الذي كان ينقل القوة الاستطلاعية إلى مصر. هكذا أصبح بونابرت أسير الغزو الذي أطلقه. ثم أعلن السلطان رافي الحرب على فرنسا وأعاد تجميع القوات العسكرية في فلسطين. كُلّف أحمد باشا الجزار (لقبه «الجزار» بسبب العنف المريع الذي ارتكبه بحق المدنيين) بقيادة العملية. حَكَم هذا الأخير فلسطين وسوريا باسم الباب العالي. قرّر بونابرت حينها شن الهجوم أولاً. حضّر القائد الأعلى بعثته إلى فلسطين في كانون الثاني 1799 وغادر القاهرة في 10 شباط. كان يظنّ أن الحملة ستقتصر على ستة أشهر كحد أقصى ويُفترض أن تتوقف في دمشق حين يتعرّض العثمانيون لهزيمة حاسمة، إلا إذا نجح في توسيع جيشه عبر كسب الشعوب المحلية غير التركية، ما قد يدفعه إلى متابعة مساره.

ترك بونابرت نصف قواته العسكرية المتبقية في مصر وتوجّه نحو سيناء مع 13 ألف رجل، منهم أسماء تمّ تناقلها خلال الأجيال اللاحقة: كتيبة الجنرال كليبر، وكتيبة الجنرال لان، وسلاح الفرسان بقيادة مراد. نقلت مئات الجِمال المدافع، والقذائف، ومعدات المدفعيات، وتنقلت فرقاطات تم إنقاذها من أبو قير في أعالي البحار وهي تحمل المعدات الأساسية. سَلَك الجيش الصغير الطريق الساحلي باتجاه سيناء، لكن كان عبور الصحراء تجربة مريعة بمعنى الكلمة.

كتب الرقيب بونفون في مذكراته: «لقد شعرنا بأهوال ندرة المياه». مات بعض الجنود من الجوع، واندثرت الجِمال بعدما التهمها عناصر الجيش الجائعون. ثم أطلقت القوات العسكرية هجومها، رغم المصاعب المتلاحقة، ضد بلدة العريش، آخر قرية مصرية على طريق فلسطين، وهي منطقة دافعت عنها قوات موالية للسلطان. استرجع الجيش مساره، لكن تضاعفت المشقّات التي واجهها على مرّ الرحلة. تكلم الملازم لافال عن السكر الذي تمكن من شرائه من القاهرة ونقله معه، فكتب: «أظن أنني أدين بحياتي للسكر». أقدم بعض الرجال على الانتحار عبر إطلاق النار على أنفسهم بسلاحهم الخاص للتخلص من المعاناة التي يعيشونها، وضاع آخرون في الصحراء. في غضون ذلك، تخبّط كليبر وكتيبته وعثروا على بقية عناصر البعثة بصعوبة.

في المرحلة اللاحقة، غادر الرجال أفريقيا باتجاه آسيا. ثم تحرك الجيش في وادي غزة (يشير هذا الاسم إلى وادٍ ومدينة في آن) عند خروجه من الصحراء. إنه أول جزء من الساحل الشرقي. صُدِم الفرنسيون بالتغيرات التي واجهوها: كان المناخ لطيفاً، وسُرّ الجنود بالطقس المنعش، والنباتات والظلال، ووفرة البساتين في كل مكان. كانت الطيور المهاجرة تحبّ الواحة الساحلية. لكن يتدهور المناخ فجأةً وتتلاحق العواصف هناك. نتيجةً لذلك، يصبح تقدّم القوات العسكرية صعباً بسبب الأمطار والأوحال.

بــــــوابــــــة الــــــمــــــشــــــرق

قرأ بونابرت الكتاب المقدس، والتوراة، والقرآن، حين كان الأسطول الفرنسي يتّجه من تولون إلى الإسكندرية، قبل سبعة أشهر. كان يعلم أن عدداً من الفراعنة أمضى فترة في غزة. إنها البوابة التي يجب فتحها لغزو المشرق انطلاقاً من مصر أو لاتّخاذ مسار معاكس.

في 25 شباط، اقتربت طليعة الجيش الفرنسي من المدينة الصغيرة التي تشمل ميناءً طبيعياً. رفض الباشا عبدالله في دمشق هذا التحرّك الصادم على الجبهة الأمامية، علماً أنه تلقّى أمراً باعتقال «المسيحيين»، وهي صفة تم نَسْبها إلى الفرنسيين مع أن بونابرت حاول تجنّب هذا التصنيف بأي ثمن. بعد خوض بعض المناوشات، تراجع الباشا مع قواته العسكرية. ثم دخلت كتيبة كليبر إلى غزة من دون مواجهة أي مقاومة. انضمّ إليه بونابرت في اليوم التالي.

تمركز الجيش في مواقعه واستولى على المؤن والذخائر التي تركها الباشا وراءه. استقر القائد الأعلى في «قصر الباشا» الذي لا يزال موجوداً حتى اليوم، وهو عبارة عن قصر صغير مصنوع من حجارة المغرة ومحاط بأشجار النخيل سرعان ما هجره ساكنوه القدامى.

تلقى حاكم القاهرة الفرنسي خبراً عن الاستيلاء على غزة، فأعلن النبأ أمام سكان القاهرة. كان عبد الرحمن الجبرتي عالِماً عربياً يهتم بشؤون الفرنسيين، وقد ترك وراءه شهادة قيّمة حول الرحلة الاستطلاعية إلى مصر، فكتب في مذكراته بيان الفرنسيين الذي يعلن اجتياح غزة. في البداية، كتب معدّو الإعلان: «بسم الله الرحمن الرحيم! الموت للطغاة!». استُعمِلت هذه الكلمات للتعبير عن احترامهم الإسلام لأن هذا الموضوع لطالما شَغَل بونابرت خلال تلك المهمّة. لقد أرادوا أيضاً أن يطرحوا أنفسهم كأبناء الثورة الفرنسية القادمين لتحرير المصريين من عبودية المماليك. ثم وصفت المذكرات تفاصيل المناوشات أمام المدينة بكلمات مطابقة لحقيقة ما حصل، قبل أن يستنتج الكاتب أن كليبر «دخل إلى غزة ولم يجد أي مقاتلين في وجهه».

اعتبر بونابرت غزة قاعدة خلفية، وموقعاً لترسانته، ومستشفى للجرحى في صفوف جيشه. هو بقي هناك طوال ثلاثة أيام. وعندما استنتج أن أحمد باشا الجزار يرفض التحالف معه ضد العثمانيين، كما اقترح عليه، قرّر القائد الأعلى ملاحقته في المرحلة اللاحقة. لكن رفض الشيعة، والدروز، والموارنة، الذين دعاهم بونابرت، التحالف معه أيضاً (مع أن جزءاً من مسيحيّي الشرق تبعوه بشكلٍ فردي). استمرّت حملة فلسطين لاحقاً وكانت دموية وعقيمة بالنسبة إلى الفرنسيين.