جاد حداد

All the Light We Cannot See... الحب بين فتاة عمياء وشاب نازي

4 دقائق للقراءة

في مسلسل «نتفلكس» القصير All the Light We Cannot See (كل الضوء الذي لا نستطيع رؤيته)، تنشأ قصة حب بين «ماري لور» و»ويرنر»، مع أنهما يقفان في معسكرَين منقسمَين على نحو كارثي. هي مراهِقة فرنسية تنقل رسائل مشفّرة إلى قادة عمليات القصف في قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، وهو خبير تقني نازي يُكلّف بتعقبها في القبو الذي تعيش فيه في مدينة «سان مالو»، تزامناً مع تساقط القنابل واقتراب القوات الأميركية.

لكن تماشياً مع الأجواء الرومانسية الجارفة التي تطغى على المسلسل وأحداث الرواية الأصلية بقلم أنتوني دوير، يكتشف بطلا القصة بعد فترة أن قواسم مشتركة كثيرة تجمعهما. يتعامل كل واحد منهما مع تحديات خاصة به: هي عمياء، وهو أمضى طفولته في دار أيتام. لكنهما كبرا ليصبحا شخصين قويين وذكيين. يتميز «ويرنر» بعبقرية فائقة في استعمال الراديو، وتتمتع «ماري لور» بحواس استثنائية على مستوى اللمس والشم والسمع. هما يتقاسمان أيضاً المرشد نفسه، وهو مذيع مجهول الهوية لقبه «البروفيسور»، وتساعدهما دروسه على تطوير شخصيتيهما. هو يعلّمهما أن «أهم ضوء في العالم هو الضوء الذي نعجز عن رؤيته».

تُستعمل هاتان الشخصيتان النموذجيتان كإطار عمل لتقديم نسخة منمّقة من القصص الميلودرامية في زمن الحرب وعرض حكاية عن انتصار الروح مثلما يُصوّرها دوير، ويقتبسها كاتب السيناريو ستيفن نايت (من أعماله مسلسل Peaky Blinders (الأقنعة الهزيلة))، والمخرج شون ليفي (من أعمالهNight at the Museum (ليلة في المتحف)). «ماري لور» و»ويرنر» شخصان بسيطان، لكنّ مشاكلهما تفوق ما يمكن توقّعه حين تتخذ القصة منحىً رومانسياً ومشوقاً.

تحمل قصتهما جانباً مثيراً تتخلله أعمال عنف مرعبة ودموية، لكنها مرنة بما يكفي كي تشمل البحث عن جوهرة أسطورية يقال إنها تنقل اللعنة إلى أحباب كل من يلمسها. ترتبط «ماري لور» بشخصيتَين أبويتَين محبوبتَين: والدها الحقيقي الذي يبني لها نماذج مفصّلة عن الحي كي تتمكن من حفظ الشوارع، وعمّها الذي كان بطلاً في خنادق الحرب العالمية الأولى لكن تمنعه ذكرياته السيئة من مغادرة المنزل منذ عشرين سنة.

قد تضفي هذه التفاصيل طابعاً مبتذلاً وعاطفياً على المسلسل، لكنها ليست مفرطة بشكل عام. تبرز بعض اللحظات الميلودرامية بين ضباط نازيين مسعورين وقد تفتقر الأحداث إلى المنطق أحياناً، لكن يحافظ العمل ككل على مستوى من التماسك وضبط النفس والذكاء بفضل سيناريو ستيفن نايت الذي يمنع القصة من الخروج عن السيطرة. لن ينزعج على الأرجح الأشخاص المعتادون على الانغماس عاطفياً في القصة التي يشاهدونها. في غضون ذلك، صُوّرت المشاهد في فرنسا والمجر، وهي تشمل مؤثرات خاصة تناسب المعارك الليلية ولا تزعج النظر.

لا تكمن المشكلة الحقيقية في سطحية المواد المعروضة أو طابعها العاطفي المفرط، بل في مصير تلك المواد بعد اختصارها لتقديم مسلسل يقتصر على أربع حلقات. قد نشعر بأن المسلسل يفتقر إلى جوانب منعشة من الناحية السردية، على عكس التفاصيل وتركيبة الأحداث الواردة في الكتاب الأصلي. كانت هذه العناصر لتبث الحياة في مشاهد كثيرة.

نتيجةً لذلك، ثمة تركيز مفرط على الفكرة الواردة في العنوان: الضوء الذي يعيش داخل «ماري لور» وأبطال القصة الآخرين، ونور المنطق الذي يغيب في زمن الحرب، وضوء هويتنا الحقيقية التي نضطر لإخفائها أحياناً للبقاء على قيد الحياة. لا يعكس المسلسل إذاً الجوانب الترفيهية والمعقدة التي تميزت بها الرواية الأصلية. من ناحية أخرى، لا شيء يضمن ألا تتكرر المشاكل نفسها لو تضمّن العمل حلقات إضافية.

حتى في مشاهد الشجار والغضب، يبقى الممثلون الألمان والنمسويون بأدوار النازيين من أرقى خيارات الإنتاج، منهم لويس هوفمان بدور «ويرنر» (من أعماله مسلسل Dark (قاتم) على «نتفلكس»)، ولارس أيدينغر بدور الضابط السادي «فون رومبل». لكن من المستغرب ألا يشمل العمل ممثلين فرنسيين بأدوار بارزة. في المقابل تظهر الممثلة الأميركية العمياء أريا ميا لوبيرتي في أول مشاركة لها بدور «ماري لور»، وهي تبدو شخصية محبوبة وذكية ورقيقة بدرجة معينة. أما مارك روفالو، فهو يجسّد دور والد «ماري لور»، لكنه يتخبط أحياناً حين يحاول التعبير عن مكنونات شخصيته. أخيراً، يقدم الممثل هيو لوري أفضل أداء على الإطلاق، فهو يضفي طابعاً ميلودرامياً على شخصية العمّ «إتيان». في مطلق الأحوال، لا مفر من التأثّر حين يشرب الشقيقان نخب فرنسا.