رواد مسلم

حرب غزة أكبر مثال على انتهاك القانون الدولي الإنساني

6 دقائق للقراءة
خلال القصف الإسرائيلي على قطاع غزة أمس (أ ف ب)

شهدت العمليات العسكرية بين الجيش الإسرائيلي ومقاومة حركة «حماس» المسلّحة منذ إنطلاق عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأوّل، وإعلان إسرائيل الحرب على «حماس»، إنتهاكات فاضحة للقانون الدولي الإنساني، حيث بدأت باستهداف الجماعات الفلسطينية المسلّحة المتعمّد للمدنيين والهجمات العشوائية بالصواريخ وإتخاذ المدنيين رهائن وقتل حوالى 1200 شخص في اليوم الأوّل، معظمهم من المدنيين، ليتبعها حصار إسرائيلي كامل للقطاع الذي استهدف المدنيين بشكل خاص، وضرباتٍ مدمّرة للمستشفيات والأعيان الثقافية والمدنية المحمية بموجب القانون الدولي، والتي أودت بحياة آلاف الفلسطينيين المدنيين وغيرهم من الأشخاص غير المشاركين في الأعمال القتالية، وهجوم برّي غير متناسب حيث عرّض آلاف المدنيين للخطر، خصوصاً عند اقتحام مستشفى الشفاء أخيراً، الذي فقد حقّ الحماية بموجب اتفاقية جنيف الأولى، مجرّد تأكيد استخدامه كموقع قيادي لـ»حماس»، حسب مزاعم الجيش الإسرائيلي، فكانت الأضرار الجانبية المتوقّعة مفرطة مقارنة بالمكسب العسكري.

إنبثقت قواعد الصراع المسلّح المتّفق عليها دولياً من اتفاقات جنيف لعام 1949، والتي صادقت عليها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وأكملتها أحكام أصدرتها محاكم دولية معنية بجرائم الحرب، حيث تحكم سلسلة من المعاهدات معاملة المدنيين والجنود وأسرى الحرب في نظام يعرف باسم «قانون النزاعات المسلحة»، أو «القانون الدولي الإنساني». ينطبق هذا القانون على القوات الحكومية والجماعات المسلّحة المنظّمة، ومن بينها «حماس»، ویتضمّن هذا القانون مجموعة من المبادئ الأساسية المحدّدة بوضوح، التي تعكس حقیقة النزاعات، والأهم من كلّ ذلك، أنها لا تتضمّن أي شيء یعجز الجندي المحترف عن تطبیقه في المعركة، فهي تحقّق توازناً بين الضرورة الإنسانیة والضرورة العسكریة.

إنتُهكت مبادئ القانون الدولي الإنساني الأساسية، أوّلها مبدأ «التمییز»، فحسب مواد بروتوكول جنيف الثاني، یجب دائماً التمییز بین المقاتلین والمدنیین، فیمكن مهاجمة المقاتلین ما لم یكونوا قد توقفوا عـن المشاركة في القتال (أسیر، جریح، مریض، مفاوض...). لذلك یتمتّع المدنیون بالحمایة مـن الهجوم، ولكنّهم یفقدون تلك الحمایة متى قاموا بدور مباشر في الأعمال العدائیة، وهذا ما لم يتمّ التقيّد به في العمليات الجارية، كما یجب دائماً التمییز بین الأهداف العسكریة التي یُمكن مهاجمتها والأهداف المدنیة التي تتمتّع بالحمایة.

أمّا مبدأ «التناسب»، الثاني الذي انتُهك، فينصّ على أنّه يجب العمل على تجنّب إصابة المدنیین والأعیان المدنیة بأضرار عارضية أو جانبیة إلى أقصى حدّ ممكن عند المهاجمة، فیجب ألّا تكون الأضرار الجانبیة كبیرة بالنسبة إلى المیزة العسكریة المباشرة التي یُحقّقها الهجوم، إذ إنّ المبالغة في استخدام القوّة أثناء الهجوم تنتهك القانون الدولي الإنساني. لذلك، یتطلّب من القادة العسكريين تجنّب إنتهاك هذا المبدأ في التخطیط والإستعلام الدقیق، الأمر الذي لم يتّبعه الجيش الإسرائيلي، ما أدّى إلى تدمیر مدن وقرى بأكملها، بما فیها المستشفیات والمراكز الدینیة والسكان المدنیین.

مبدأ «الضرورة العسكریة»، الثالث الذي يشهد إنتهاكاً، وهو یُقرّ بأنّ «الهدف الشرعي الوحید الذي یُمكن للدول السعي إلى تحقیقـه أثناء الحرب هو إضعاف القوة العسكریة للعدو»، وأنّه «من أجل هذا الغرض، یكفي إفقاد أكبر عدد ممكن مـن الرجال لقدراتهم»، فهو یتبنّى واقعیة المعركة ویُجیز فـي كلّ الأحوال القوة المعقولة الضروریة والشرعیة والتي یُمكن تبریرها عملانیّاً أثناء القتال لإجبار العدو على الاستسلام، وبالتالي فإنّ النشاطات التي يتّضح عـدم ضرورتها عسكرياً والتي تسبّب أضراراً وآلاماً مفرطة فهي محظورة. لذلك، الحصار المحكم لكامل القطاع وضرب كافة البنى التحتية وشبكات الطاقة ليس ضروريّاً لإضعاف قدرة المقاومة المسلّحة، فهو يتعارض مع المبادئ الأخرى كالتناسب والتمييز، ويعتبر إنتهاكاً حتى لو كان مشروعاً، فلا ینبغي أبداً إستخدام الضرورة العسكریة كعذر للإهمال أو لعدم الإكتراث.

یُقیّد القانون الدولي الإنساني كیفیة إستخدام الأسلحة والتكتیكات العسكریة ضمن مبدأ «القیود» الرابع، فلا تتمتّع الأطراف المعنیة في أي نزاع بحرّية مطلقة في اختیار أسالیب ووسائل القتال، أي أنّ القانون الدولي الإنسانيّ يحظّر مثلاً إستخدام الأسلحة والذخائر التي من طبیعتها إحداث الإصابات المفرطة أو الآلام التي لا مبرّر لها، وهذا ما كان واضحاً عند إستخدام الجيش الإسرائيلي للقنابل الفوسفورية المحرقة وغيرها من الذخائر المتفجّرة في المناطق المأهولة التي تقتل أعداداً كبيرة من الأشخاص.

مبدأ «حسن النوایا» العرفي الذي يتبيّن أنّه يُنتهك، ينصّ أنّه ینبغي على العسكریین إظهار حسن النوایا في تفسیرهم للقانون الدولي الإنساني. لذلك ینبغي مراعاة حسن النوایا في المفاوضات بین الأعداء ومع المنظمات الإنسانیة والإبتعاد عن الغدر والخداع. ومن الواضح حسب مجريات المعارك، أنّ الجيش الإسرائيلي لا يعتمد مبدأ حسن النوايا لتفسير القانون، خصوصاً بعد الإقتحامات العنيفة لمستشفى الشفاء بذريعة وجود مكتب قيادة لـ»حماس»، وبالتالي إلتفافه على مبادئ القانون الدولي الإنساني الأساسية.

إنتهكت «كتائب القسّام» القانون الدولي الإنساني في الأيام الأولى وما زالت تنتهكه بالضربات العشوائية على المدنيين، فيما كان الردّ العسكري الإسرائيلي متجاوزاً بشكل فظيع للإطار المحدّد لحقّ «الدفاع عن النفس»، بل إنه تجاوز كلّ المبادئ الأساسية التي تتّبعها كلّ الدول في الأمم المتحدة، بارتكاب الحصار الشامل الذي يحرم المدنيين من الخدمات والسلع الأساسية للبقاء على قيد الحياة، والقصف الهائل وغير المتناسب والعشوائي، وتدمير المباني المدنية والصحية، و»النقل القسري» لما يقارب 1.5 مليون مدني واستهداف وقتل عشرات الصحافيين، واقتحام المستشفيات وقتل أفراد الطواقم الطبية. وكلّ هذه القضايا تُشكّل «جرائم حرب» دولية تُحاكم عليها المحكمة الجنائية الدولية، التي أعطاها نظام روما الأساسي سلطة قانونية للتحقيق في الجرائم المزعوم ارتكابها على أراضي الدول الأعضاء أو التي يرتكبها مواطنو هذه الدول، في حال «عدم رغبة أو عدم قدرة» السلطات المحلّية على الاضطلاع بذلك.