يأتي التقدّم الهجومي المعاكس للقوات الأوكرانية شرق نهر دنيبرو بعد عبورها ولمسافة 8 كلم في عمق الدفاعات الروسية الضخمة، الخطّ الدفاعي الأوّل شرق ضفة نهر دنيبرو، بعد مرور سنة على إجبار الجيش الروسي على التراجع من غرب الضفة إلى شرقها، وبعد حوالى الشهرين من الإنجاز العسكري السابق للجيش الأوكراني، عندما أحرز تقدّماً ملحوظاً في الجبهة الجنوبية على محور ميلوتوبول، وإحداث خرق في روبوتين بعمق حوالى 5 كلم جنوباً، والذي لو استمرّ زخمه وحفاظه على عنصر المفاجأة والمرونة، ومنعه الجيش الروسي من استقدام التعزيزات من الجبهات الشمالية، لساعد القائد العسكري على بناء الخطط العملياتية لإنجاح الهجوم الأوكراني المضادّ، الذي تلاشت آمال نجاحه مع بدء تغيّر عوامل الطقس والطبيعة لصالح الجيش الروسي المدافع عن الأراضي الأوكرانية المحتلّة منذ شباط 2022.
إجتياز نهر دنيبرو يعتبر تقدّماً استراتيجيّاً، فهو بفضل امتداده إلى عمق أوكرانيا، يوفّر مسلكاً مائيّاً للقوات البحرية الأوكرانية المسؤولة عن حماية النهر كاملاً ويفتح الطريق للوصول إلى مرافئ أوديسا العسكرية للنقل اللوجستي والتكامل الدفاعي والهجومي. كما أنّ إنشاء مواقع على الجانب الشرقي من النهر يُمكن أن يسمح للقوات الأوكرانية بالتقدّم نحو شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا عام 2014، وذلك من خلال إمكانية تركيز الدفاعات الجوية في الخطوط الأمامية، وحشد أعداد كبيرة من المدرّعات والآليات الهندسية لدفعها بسرعة وفي الوقت المناسب لخرق الدفاعات الروسية شرقاً، من دون الحاجة إلى المرور عبر الحاجز الطبيعي المائي الذي يُمكن عبوره من خلال مسالك معبّدة عدّة وعبّارات، ما يحتاج إلى الوقت ويفقد عامل المفاجأة.
كما أنّ تقليص المسافات للوصول إلى شبه جزيرة القرم يُساعد سلاح المدفعية الثقيلة على استهداف المخازن والمصانع اللوجستية الروسية والمراكز القيادية في القرم، بعدما أصبحت ضمن مداها، والتي تعتبر أقلّ كلفة من الصواريخ الدقيقة البعيدة المدى، وأقلّ اعتراضاً من المسيّرات التي تتأثّر بالحرب الإلكترونية. وفي المقابل، يُحيّد الجيش الأوكراني مدينة خيرسون من الهجمات الروسية المتكرّرة عليها، خصوصاً في الفترة الأخيرة على منشآت الطاقة والمدنيين.
الخوف في هذه المرحلة يكمن في استدراج الجيش الأوكراني ومحاصرته ضمن مساحة جغرافية شرق النهر، بعد تخفيف المقاومة الروسية لخداع الأوكرانيين وإيقاعهم في فخّ المحاصرة. وبحسب التقارير العسكرية، فإنّ الجيش الروسي يستخدم الدبابات السوفياتية القديمة المعدّلة حديثاً من طراز «تي 62 أم» شرق النهر التي تتمكّن المسيّرات الأوكرانية من تدميرها بسهولة، وفي المقابل يمتلك القنابل الانزلاقية والموجّهة الثقيلة (يصل وزن القنبلة 1000 كلغ)، التي يُمكنه إطلاقها من المقاتلة الروسية «سو 34» عن مسافة 40 كلم خلف خطوط الدفاع، لتُصيب رؤوس الجسر على نهر دنيبرو، ما يقطع طريق الانسحاب غرباً على الجيش الأوكراني وطريق الإمداد اللوجستي، وبالتالي تشنّ روسيا هجوماً عكسيّاً سيكون كارثيّاً على الجيش الأوكراني المُحاصر، خصوصاً مع توزيع الدفاعات الجوية على كامل الجغرافيا الأوكرانية الكبيرة، وإمكانية اتباع تكتيكات جوية روسية بتكثيف الضربات الصاروخية لتتفوّق على قدرة الدفاعات الجوية شرق خيرسون.
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أوكرانيا ما زالت بأمسّ الحاجة للمساعدات العسكرية الغربية، فمِن غير المستبعد أنّ هذا الإنجاز الاستراتيجي هو رسالة عسكرية - سياسية أوكرانية للغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، لمتابعة جهود الدعم العسكري بعد تلاشي الآمال الدولية من فائدة إرسال المساعدات، في فترة جمود للمعارك على كلّ الجبهات بعد استعدادات عظيمة للجيش الأوكراني في حزيران الماضي لإطلاق الهجوم المضادّ ووصول الإمدادات العسكرية الغربية الاستثنائية لإنجاحه. لكن في النهاية فشل الهجوم في إحداث خرق دراماتيكي ومستمرّ للدفاعات الروسية، وفي مرحلة اهتمام دولي أقلّ ملاءمة لكييف، مع تحوّل قدر كبير من الاهتمام العالمي نحو الشرق الأوسط وتحويل أجزاء كبيرة من المساعدات العسكرية لإسرائيل بدلاً من أوكرانيا، وتزايد الأصوات المرتفعة في الحزب الجمهوري الأميركي التي تطالب بإنهاء المساعدات المالية والعسكرية لكييف.
هذا الإنجاز العسكري عاود الإهتمام الأميركي الذي تُرجم بزيارة مفاجئة لوزير الدفاع لويد أوستن، الذي سبق أن دعا الكونغرس إلى إقرار موازنة وزارته لعام 2024 طالباً زيادة في تمويل الدول الحليفة كأوكرانيا وإسرائيل لتعزيز الأمن القومي الأميركي. وتؤكد زيارة أوستن لكييف بعد أيام قليلة من التقدّم شرق نهر دنيبرو، استمرار اهتمام الولايات المتحدة بدعم الجيش الأوكراني في حربه ضدّ الجيش الروسي، كما أكدت ألمانيا متابعة دعمها بإرسال 32 دبابة «ليوبارد» إضافية لأوكرانيا ومضاعفة إنفاقها من المساعدات العسكرية لكييف في موازنة 2024، فضلاً عن زيارة وزير الدفاع الألماني البارحة لكييف.
لكن على الرغم من أنّ هذا الإنجاز الذي إذا ما تحوّل إلى «روبوتين ثانية»، سينعكس سلباً على التقديمات العسكرية لأوكرانيا، وبالتالي سيضطرّ الرئيس الأوكراني في ظلّ الإهتمام الدولي بدعم إسرائيل، إلى التفاوض مع روسيا على وقف إطلاق النار وتحويل تركيز القوّة العسكرية الأوكرانية من الهجوم إلى الدفاع عن أكثر من 80 في المئة من الأراضي التي ما زالت تحت سيطرة أوكرانيا، والتي تتعرّض بنيتها التحتية للضربات الصاروخية والهجمات الجوية من المسيّرات الإنتحارية.