رواد مسلم

"الإستفادة العسكرية" من الهدنة تميل لصالح المقاومة الفلسطينية

5 دقائق للقراءة
غزاويّون ينزحون نحو جنوب القطاع تحت أنظار الجيش الإسرائيلي أمس (أ ف ب)

إلتزم طرفا اتفاق الهدنة الإنسانية والتبادل الجزئي للأسرى بتنفيذ بنود الإتفاق في اليوم الأوّل من دخوله حيّز التنفيذ، بعد 50 يوماً من القتال المستمرّ والدامي على قطاع غزة المحاصر. ويُبقي هذا الاتفاق الباب مفتوحاً أمام تمديد الهدنة وزيادة عدد الأسرى المُفرج عنهم من الجانبين، خصوصاً أنّ أسماء الأسرى المحرّرين جميعهم من المدنيين النساء والأطفال دون الـ19 عاماً، ما يوضح أنّ الضغط الشعبي الإسرائيلي والعالمي قد نجح في إجبار السلطة على التوصّل إلى إتفاق، على الرغم من تأثيره السلبي على تحقيق هدف التوغّل البري بالقضاء الكلّي على حركة «حماس»، إذ إنّ 4 أيام تعتبر كافية لـ»حماس» لإعادة تنظيم قوّتها وتفخيخ الأماكن المتوقّع أن يدخلها الجيش الإسرائيلي بعد الهدنة، وترميم ما أمكن من العتاد والأنفاق، كما وضع خطط جديدة لصدّ التقدّم الإسرائيلي، مستندةً الى مجريات الهجوم البرّي في الأسابيع السابقة.

ستؤدّي هذه الهدنة بشكل غير مباشر إلى إطالة أمد الحرب، التي لا تصبّ في مصلحة إسرائيل لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، إذ إنّ عدد المحرّرين الإسرائيليين الـ50، لن يُسكت الشعب الإسرائيلي الذي سيُطالب بالإفراج عن المزيد، ما يُجبر السلطة على عقد صفقات أخرى أو إدامة الهدنة الحالية، وبالتالي إعطاء المقاومة فرصاً عدّة لإعادة التموضع وتطوير الخطط القتالية، والتمركز دفاعيّاً بشكل أصلب من السابق، فالزخم الهجومي الذي أحرزته القوات الإسرائيلية قبل الهدنة لن يُستكمل بعدها، فالمقاومة ستستفيد من الدروس التي تلقّتها منذ إنطلاق الهجوم البري الإسرائيلي، لتجنّب الضربات المؤلمة السابقة، و»استراحة المحارب» لمدّة 4 أيام ضرورية لإعادة ترتيب الإمكانيات الدفاعية لمعرفة نسبة جهوزيّتها وتقدير موقفها القتالي.

على الرغم من صعوبة تحقيق الجيش الإسرائيلي أي إنجاز عسكري مرتبط بالهدف الأساسي داخل القطاع، إلّا أنّ الهدنة ستمنح القيادة العسكرية الإسرائيلية الوقت للتخطيط. أوّلاً، من خلال الإستفادة الاستخباراتية من الصور الجوية التي ستُرسلها الأقمار الاصطناعية والطائرات الاستطلاعية المرتفعة، لتحديد أماكن تواجد الرهائن المحرّرين التي ستكون عديدة بإعتماد المقاومة مسالك متعدّدة للتمويه، إلّا أنّ أماكن الإحتجاز ستكون ضمن الاحتمالات، وبالتالي ستستفيد منها القوات الإسرائيلية لإعداد سيناريوات متعدّدة لقيام قوات خاصة بمساعدة العملاء للدخول خلف خطوط القتال وتفتيش الأماكن. وثانياً، هذه الصور ستُستغلّ في جمع معلومات تتعلّق بالأنفاق ليتمّ إستهدافها بالقنابل التي يستخدمها سلاح الجوّ لتدمير الأنفاق كالقنبلة «جي بي يو 82»، بعد تأكيد خلوها من المحتجزين. وثالثاً، الاستعداد عسكريّاً للجولة المقبلة من الصراع، وذلك من خلال الحصول على إمدادات السلاح من الدول الحليفة، فإسرائيل حاليّاً هي التي لديها حدود مفتوحة مع العالم، مقابل حصار مُحكم على القطاع.

رابعاً، يُريد الجيش الإسرائيلي تحريك قوات المدرّعات بطريقة تكون قادرة على استئناف القتال، لكن المشكلة في حروب المدن أنّها ستكون لصالح أصحاب الأرض دائماً، فالمشكلة الكبيرة التي تواجهها القوات المدرّعة داخل غزة هي الأزقة والشوارع الضيّقة التي لا يُمكن للآليات المدرّعة الضخمة كدبابة «ميركافا 4» ومدرّعة «النمر» وغيرهما من التحرّك داخلها، وبالتالي تضطرّ للتحرّك أو التمركز في الشوارع الكبيرة أو الساحات، فتكون مكشوفة للمقاومة، التي يتمتّع عناصرها بالروح القتالية الإستثنائية في تاريخ الحروب المتقاربة، والفيديوات التي تنشرها «حماس» عن عملية استهداف الآليات الإسرائيلية (دُمّرت 335 آلية إسرائيلية بشكل كلّي أو جزئي داخل غزة، حسب المتحدّث بإسم «كتائب القسّام» أبو عبيدة)، وتفجير مدرّعات من خلال وضع نسفيات لاصقة عليها، يؤكّد مدى الإصرار على الدفاع بالرغم من فارق القوّة الكبير، وتصفير مستوى الرعب الذي كانت تفرضه الآليات الإسرائيلية، واستهداف قوات المشاة الإسرائيلية من خلال عمليات القنص من داخل المباني، والمواجهة من المسافة صفر.

يبدو أن الجيش الإسرائيلي يعرف أنّ الحرب في قطاع غزة ستكون طويلة ومختلفة عن كلّ الحروب التي خاضها سابقاً، وبالتالي تراجع موَقتاً عن قراره بمتابعة القتال دون توقّف ورفضه التفاوض مع «حماس»، وذلك لتحييد الرأي العام الذي سينعكس على السلطة السياسية بقيادة نتنياهو وحكومته اليمينية. وبذلك فإنّ تحرير الرهائن وإدخال المساعدات الإنسانية والطبّية إلى داخل القطاع سيجلب نتائج إعلامية عالمية إيجابية لإستكمال الأعمال الهجومية التي ستكون مدمّرة وعنيفة من دون احتجاجات داخلية ودولية. لكن في المقابل، فإنّ المقاومة التي تستفيد عسكريّاً أكثر منه إنسانيّاً من الهدنة، ستواجه القوات الإسرائيلية بخطط دفاعية تكبّده خسائر عالية بالعديد والعتاد وتفقده السرعة المرجوة بالقضاء الكامل عليها.