حسان الزين

وطأة السياسة وانقساماتها

3 دقائق للقراءة

لنعترف: إنّ ردّة الفعل الشعبيّة العربية على الحرب الإسرائيليّة الهمجيّة على الشعب الفلسطيني في غزّة والضفّة الغربية محدودة. التضامن العربي إنسانيّاً مع أهل غزّة أوسع وأكثر ثباتاً من التأييد السياسي وتحرك الشارع. فهناك على المستوى السياسي انقسام في شأن حركة «حماس» وأيديولوجيّتها الإخوانية الإسلاميّة، وعلاقتها بإيران ومحور المقاومة أو الممانعة، وما قامت به في 7 تشرين الأول 2023. وهذا يولّد تردّداً لدى فئات واسعة. ما يقيّد التضامن الإنساني ويحول دون التعبير عنه سياسيّاً وفي الشارع. وذلك ليس جديداً، لكنّه اليوم أكثر وضوحاً مما كان.

وفيما لا يغيب عن هذا الوضع أنّ هجوم «حماس» والحرب الإسرائيلية التي تلته أتيا في زمن توسّع توجّه السلام والتطبيع مع إسرائيل، لا يمكن تجاهل الشعور الشعبي العربي الذي يقارب اليقين بلا جدوى الشارع في ظل أنظمة غير ديمقراطية.

وفيما هناك لدى فئات واسعة من الشعوب العربية ما يشبه اليأس والاستقالة من تحقيق الديمقراطية، اهتم كثيرون من العرب، لا سيما في بداية الحرب، بالرأي العام الغربي. وإذ ساد الانزعاج والصدمة من الموجة الكاسحة المؤيّدة للسردية الإسرائيلية التي تحجب الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي وعدوانيّته وتوسّعيته، حصل عربيّاً ما يشبه الاكتفاء بتنامي تيّار الاعتراض في الغرب على قتل إسرائيل الأطفال والنساء وتماديها في التطهير العرقي بدعم من الحكومات الغربية. وكأنّ الشعوب العربية أزاحت عن كاهلها مهمّة تأييد الشعب الفلسطيني، واستعاضت عن ذلك بمهمّة مراقبة الرأي العام الغربي وتحوّلاته. ولعل في هذا رغبة في أن يعرف الرأي العام الغربي القضيّة العربية الفلسطينية المحقّة والعادلة وينصرها متمرّداً على الآلة الدعائية الإسرائيلية، لكنّ فيه أيضاً مقارنة بين الديمقراطيّات التي يؤثّر فيها الرأي العام وبين الأنظمة العربية. وإذ بدا الرأي العام الغربي من دون تأثير في سياسات حكوماته، على الرغم من تنامي التيار المعارض للحرب والعدوانية الإسرائيلية، حلّ عربيّاً ما يشبه اليأس من تأثير الشارع على الأنظمة العربية وسياساتها. وكان ذلك بمثابة تبرير لا تحتاج إليه ردّة الفعل الشعبية العربية الضعيفة أصلاً.

يطرح ذلك أسئلة كثيرة، ليس أولها إذا ما زالت القضية الفلسطينية القضية المركزية أو الأولى بالنسبة إلى العرب. فهذا الاعتبار في تراجع. وإذا ما كان أحد أسباب ذلك هو ارتباط المركزية تلك بالتجارب الثورية والحربية المريرة للأنظمة القومية وللحركات الفلسطينية المسلّحة، فإن من أسباب ذلك أيضاً الانقسام العربي الكبير بين محوري المقاومة أو الممانعة بقيادة إيران والسلام أو التطبيع بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في ظل غياب رؤية عربية عادلة للشعب الفلسطيني وحقه في أرضه ودولته المستقلّتين. وليس السؤال الأول أيضاً عن ديمقراطية الأنظمة العربية. فالإجابات في هذا الشأن معروفة ومحدّثة، وهي مما يستدعي الشارع الذي يريد التعبير عن التضامن مع الشعب والقضية الفلسطينيين.

لعل السؤال الأول هو عن وطأة السياسة ومواقفها الانقسامية الجاهزة على ما هو إنساني وقيمي، وارتباك الضمير والعقل العربيين إزاء ذلك، على المستويين الفردي والجماعي. وهذا مشكلة المشاكل، في هذا المقام وفي مسائل أخرى كثيرة.