سكان في جنوب لبنان يتفقدون منازلهم المتضررة بالقصف الإسرائيلي (ريبورتاج)

5 دقائق للقراءة

بعد نزوح امتد لأسابيع، عاد عبدالله عبدالله بلهفة إلى قريته عيترون الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان، ليجد فجوات ضخمة خرقت جدران منزله، وأشجار حديقته أتت عليها النيران، فيما انتشرت شظايا القذائف من حولها.

يعجز عبدالله (50 عاماً) عن التعبير عن حزنه، إذ لم تقتصر الأضرار على منزله المؤلف من طبقتين، بل طالت أيضاً مصدرَي رزقه: جراره الزراعي والحافلة التي كان ينقل على متنها طلاب إحدى مدارس المنطقة.

ويقول الرجل، وهو أب لستة أبناء أكبرهم طالب جامعي، "أي كلمات يمكن أن أقول؟ اعتدت إجرام إسرائيل واستهدافها لمنازل المواطنين".

يضع عبدالله يديه في جيبي بنطاله، ينظر من حوله بحسرة، ويردد "الجرار الزراعي تدمّر، والحافلة أيضاً، وهذا منزلي وقد انهارت أجزاء أساسية منه".

على طول الحدود، بدت آثار القصف الإسرائيلي واضحة، من جدران منازل مدمرة أو زجاج نوافذ وأبواب محطمة، او حفر في الأرض خلّفتها الغارات.

سيعود عبدالله مرغماً إلى المنطقة التي نزح إليها بعد بدء التصعيد بين حزب الله اللبناني وإسرائيل تزامناً مع الحرب في قطاع غزة المحاصر التي اندلعت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر.

مثله، عاد سكان لتفقد منازلهم وممتلكاتهم على وقع تحليق طائرات الاستطلاع، لكن كثراً لا يريدون البقاء خشية من استئناف القصف المتبادل بعد انتهاء هدنة الأيام الأربعة التي دخلت حيز التنفيذ الجمعة في قطاع غزة.

- "لتغسل الأمطار الزيتون" -

ومنذ سريان هدنة غزة صباح الجمعة، خيّم هدوء شبه تام في المنطقة الحدودية في جنوب لبنان. 

وقال مصدر مقرّب من حزب الله لفرانس برس إن الحزب الذي تربطه علاقة وثيقة بحركة حماس "سيلتزم بالهدنة طالما يلتزم بها الإسرائيليون".

وبعيد اندلاع الحرب في غزة قبل نحو 50 يوما، شنّ الحزب عمليات يومية ضد أهداف إسرائيلية قرب الحدود. وردّت الدولة العبرية بقصف مناطق حدودية قالت إنه يستهدف بنية تحتية للحزب.

وأسفر التصعيد في جنوب لبنان عن مقتل 109 أشخاص معظمهم مقاتلون في صفوف حزب الله و14 مدنياً على الأقل بينهم ثلاثة صحافيين، بحسب حصيلة أعدتها فرانس برس. وأفادت السلطات الإسرائيلية عن مقتل تسعة أشخاص بينهم ثلاثة مدنيين.

في ساحات قرى حدودية عدة، رفع حزب الله ملصقات لعناصره الذين سقطوا "على طريق القدس" في الأسابيع الماضية.

ودفع التصعيد بأكثر من 55 ألف شخص للنزوح، وفق الأمم المتحدة، غالبيتهم تركوا منازلهم في جنوب لبنان.

في بلدة ميس الجبل، تنفست فاطمة طه (55 عاماً) الصعداء حين وجدت أن الأضرار الناتجة عن قصف قريب اقتصرت على زجاج نوافذ منزلها.

وتقول "عدنا إلى هنا حين أعلنوا الهدنة، لكن العالم كلها خائفة، وهناك بيوت دُمِّرت".

وتضيف "البعض عاد فقط من أجل موسم قطاف الزيتون، لكنهم قد لا يبقون هنا" خشية من تجدد القصف.

في غالبية القرى والبلدات، رفعت السلطات المحلية لافتات تحذر المواطنين من سلوك طرق مواجهة لمواقع الجيش الاسرائيلي على الجانب الآخر من الحدود، وأخرى تنصح المزارعين بتجنب قطاف الزيتون خصوصاً في الحقول القريبة من الحدود وخشية من آثار قصف بالقنابل الفوسفورية شنته القوات الإسرائيلية على المنطقة، وفق سكان. 

وتتهم السلطات اللبنانية ومنظمات حقوقية دولية القوات الإسرائيلية باستخدام القنابل الفسفورية خلال قصفها للمناطق الحدودية اللبنانية.

وخرقت هدوء الحدود حوادث محدودة.

وأفادت الوكالة الوطنية للاعلام الرسمية السبت أن الجيش الإسرائيلي أطلق النار في الهواء "لاخافة المزارعين الذين يعملون بأرضهم في وادي هونين".

في العديد من القرى، يراقب سكان عن بعد حقول الزيتون القريبة من الحدود، ويعرب البعض عن خشيتهم من الاقتراب خوفاً من إطلاق الإسرائيليين النار باتجاههم. ويأمل أحدهم في أن تهطل الأمطار "لتغسل الزيتون من آثار القصف الفسفوري".

- "لن أغادر" -

في بلدة كفركلا الحدودية، عاد حسين شيت لساعات معدودة لتفقد منزله وأخذ ما يحتاج منه، خشية من استئناف التصعيد بمجرد انتهاء الهدنة.

ويقول "سنأخذ بعض الحاجيات ونغادر ليومين لننتظر ماذا تحمل لنا الأيام المقبلة".

على وقع هدير طائرات الاستطلاع، ينظف يحيى أحمد (62 عاماً) أثار الأضرار التي طالت استراحته التي تبعد أمتار فقط عن الجدار الحدودي في كفركلا، أملاً أن يفتح أبوابها مجدداً لأهل البلدة الذين طالما توافدوا إليها ليتظللوا تحت شجرة الجوز في باحتها.

ويقول "أنظف تحت شجرة الجوز، وأريد أن أضع الطاولات مجدداً، فقد اشتقت للجلوس هنا، كنت أحلم بها طوال الوقت".

لم يغادر أحمد منزله، لكن القصف أرغمه على إقفال استراحته التي تساقط زجاج نوافذها وواجهتها جراء القصف.

ويجزم بالقول "لم أغادر ولن أغادر. هذه بلدنا".

ستر/رح/كام

Agence France-Presse ©