طوني عطية

يُمنى الجميّل تَخرُج عن التقليد تحت عباءة "البشير"

27 تشرين الثاني 2023

01 : 59

"لقد قلنا ما قلناه" (رمزي الحاج)

يُمنى بشير الجميّل. الإبنة التي إكتست وجهها ملامح أبيها، حاملة إرثاً ثقيلاً يتمنّاه كثيرون ويخشاه آخرون. ما يتّفق في شأنه الجميع، من مؤيّدين ومعارضين، في العلن أو في الخفاء، أنه شخصية إستثنائية يصعب تكرارها أو إستنساخها في تاريخ لبنان الحديث. لا بشير ثانٍ. إسمه لا يحتمل الرمادية أو حتى الوسطية. إما معه وإما عليه. في وجدان قسم من اللبنانيين، هو البطل والمُنقذ و»الأيقونة»، الشجاع، الصلب، الثائر على التقليد، المتواضع والكاريزماتيّ. أمّا على الجبهة المناهضة فهو ببساطة «خائن وعميل». إذ ليس من السهل أن يكون المرء نجل بشير الجميّل وأن يخوض مضمار العمل السياسي بمعزلٍ عن مآثره ومواقفه وفكره، في بلد سريع الإنشطار، إزاء القضايا الكبرى والمصيريّة.



لا تحتاج يمنى الجميّل إلى بطاقة تعريف. يسكنها التاريخ ولا يسجنها. يُزوّدها بوزناته التي تُشكّل رافعة معنوية ومكتسبات قِيَمِيَة من دون الإكتفاء بها أو دفنها. وتمدّه في المقابل، بالقدرة على التجديد والتطوير والخروج عن الأطر الجامدة والمعلّبة من دون الإنحراف قيد أنملة عن المبادئ والمفاهيم اللبنانية والمسيحيّة الرّاسخة. سماتها وشخصيتها وعفويتها تجعلها أقرب إلى الناس كما تقرّبهم إليها. شعبية وغير شعبوية. لا تخشى قول الحقيقة مهما كانت صعبة. هي الأمّ في مقاربة الشؤون الإنسانية. الوطنيّة في مواقفها السياسيّة، والبشيريّة في نهجها وبثّ الأمل في نفوس اللبنانيين. ماذا عن مواقفها ونشاطاتها وعلاقاتها؟


زيلينسكي أو «بشير الغرب»


النقاش معها يوحي بالصدق والثّقة. تتحدّث بسلاسة وسهولة. لا تعقيدات ولا فيتوات. لا يحرجها تاريخ المقاومة اللبنانية وكل خطوة قام بها بشير. بنبرة حاسمة تؤكّد «من يحقّ له أن يوزّع علينا شهادات في الوطنية وحبّ لبنان والتضحية في سبيله حتّى الشهادة. ما قام به بشير الجميّل فوق السطح، فعله الآخرون تحت جنح الليل».


التحدّيات والصعاب المجتمعية والوطنية كثيرة. «الإستسلام ممنوع». لأجل ذلك يتجنّد فريق عمل للتخطيط والتنفيذ. من أول اهتماماتها إنشاء «كرسي بشير الجميّل» للدراسات، وذلك بالتعاون مع بعض الصروح العلمية كجامعتي «الروح القدس - الكسليك»، و»القدّيس يوسف»، يرتكز على مواضيع مهمّة أبرزها تنقية الذاكرة، وإعادة تحديد المفاهيم والمصطلحات». في نظرها، «ليس الشرق وحده من خذلنا. الغرب أيضاً لم يفهمنا، إذ اعتبر أن قائد المقاومة الذي قال يوماً «إننا اضُطهدنا كمسيحيين وقاومنا كلبنانيين»، «عنصريّ وميليشياويّ». نريد أن نشرح ونبرهن لهم أنه قبل وجود زيلينسكي في الغرب الذين يدعمونه في مقاومته ضدّ الغزو الروسي، كان هناك بشير وأنه كالرئيس الأوكراني، ناضل في سبيل وطنه وسيادته وحريّته».


«البشيريّ لا يستسلم»


«أحمل اسم بشير لكن لا أتكلّم باسمه. بشير ليس حكراً على مؤسّسة أو شخص أو حزب. كلّ من يحمل مبادئه هو بشيريّ»، لكنّها تشدّد في المقابل على «أنّ المبادئ وحدها لا تكفي، علينا تحويلها إلى نهج وممارسة حياة يوميّة. في وظائفنا وقضايانا وشؤوننا». ترى أن بين مقولة «من بعد بشير ما إجا حدا» وشعار «بشير حيّ فينا» تناقضاً مرفوضاً. لذلك، أطلقت «المؤسّسة» للسنة الثانية على التوالي «جائزة بشير الجميّل» لتكريم شخصيات لبنانية انتهجت روحية البشير في مجالات عدّة. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ويليام نون، الصوت الصارخ والثائر من أجل كشف الحقيقة في ملف تفجير مرفأ بيروت. الدكتور روبير صاصي الذي أعاد بناء وتأهيل قسم الأطفال في مستشفى الكرنتينا الحكومي. المحامي نصري دياب الذي انتزع حكماً قضائياً من المحاكم البريطانية ضد شركة «نافارو» التي استقدمت نيترات الأمونيوم إلى المرفأ، والمخرج والمسرحي قاسم اسطنبولي، الذي ورغم المضايقات التي واجهها لنشر الفن والمسرح، بقي يناضل باستمرار».


«لقد قلنا ما قلناه»


بالعودة، إلى مواقف يمنى الجميّل الأخيرة وما رافقها من ضجّة على مواقع التواصل الإجتماعي بسبب تضامنها مع ضحايا الحرب على غزة وفي الجنوب لا سيّما المدنيين والإعلاميين، وأنها مع كلّ «لبناني» مشدّدة على كلمة لبناني وما تحمله من معانٍ وطنية واضحة... تبدي استغرابها تجاه تلك الحملة وعلى طريقة البطريرك الراحل مار نصرالله صفير، تُعلّق: «لقد قلنا ما قلناه. لست في وارد التوضيح أو الدخول في تلك المتاهة. لكن ماذا لو طرق بابَنا لبنانيٌّ هارب من الحرب؟ هل أسأله من أي قرية أو منطقة أنت وعلى أساسها أستقبلك أم لا؟ وهل أقف مع الغريب ضدّ اللبناني؟ قوّتنا أننا صارمون وواضحون في مواقفنا الوطنية السيادية وتطبيق القرارات الدولية وتحييد لبنان عن صراعات المحاور وعدم تفرّد أي طرف بتحديد مصيرنا في الحرب أم في السلم. وقوّتنا أيضاً أننا نلتزم قيمنا وأخلاقنا المسيحيّة واللبنانيّة. لا تناقض بين الخطّين».


موجة جديدة


تستقي يمنى الجميّل وفريق عملها رؤيتهم السياسية من خلاصات وتجارب الماضي. تسأل: «ماذا كانت النتيجة طيلة 18 عاماً؟ ما الذي حقّقته القوى السياسية المسيحية في سبيل تقدّم الجمهورية والمجتمع؟ اعتقدنا أنه مع خروج الاحتلال السوري، ستستقيم الأمور، لكن ما حصل كان العكس. يبدو أن المشكلة تكمن فينا أيضاً. سياساتنا تقوم على»النكايات» والصراعات الشخصيّة. على سبيل المثال لا الحصر في موضوع السلاح والاستراتيجية الدفاعية كان يعلم فريق 14 آذار أن احتواء سلاح «حزب الله» من ضمن مؤسسة الجيش اللبناني يتطلّب تقوية هذا الجيش بأسلحة متطوّرة قادرة أن تجعل منه قوة رادعة للأخطار المحيطة والمحدقة، لم يفعلوا ذلك بل التزموا السقف الدولي المسموح به لعدم تشكيل خطر على إسرائيل وكأنهم بذلك أرادوا أن يبقوا على الجدل القائم ليستفيدوا منه بإطلاق خطاب شعبوي وتجميع الأصوات الانتخابية. لذا نعمل على نشر نهج جديد في مقاربة الحياة السياسية، تقوم على الوضوح والواقعية والابتعاد عن الشعارات الرنّانة، لأن عدم القدرة على تنفيذها قد تجلب اليأس والاستسلام. لن ننشئ حزباً جديداً في الوقت الحالي، ولكننا سنؤسس لموجة جديدة قائمة على الوضوح في الرؤية، والإنتاجية في العمل».


وفي العلاقة مع أهل «البيت»، يُستشَفّ من كلامها فتور في العلاقة مع حزب «الكتائب»، «نتّفق على المبادئ ونختلف في مقاربة الواقع. لا أشاورهم ولا يشاورونني». أمّا تجاه شقيقها النائب نديم الجميّل، فالوضع مختلف، نحن «على نقاش وتشاور وحوار دائمين. كلّ واحد منّا له طريقته وأسلوبه»، مؤكّدة أنها ستبقى داعمة لنديم الجميّل.


ماذا عن النظام السياسي؟ هل ينسحب عليه ميلها التجدّدي والتغييري؟ تقارب يمنى الجميّل المسألة بهدوء وواقعية، «علينا أخذ موازين القوى في الإعتبار. لذا أتمسّك حتى اليوم باتفاق الطائف مع ضرورة تطويره ومعالجة الثغرات الدستورية وتوضيحها». وشدّدت في الإطار ذاته على «عدم شيطنة الفيدرالية»، منتقدة الذين يلصقونها بمشاريع «تخوينيّة وتقسيميّة». وإذا اتفق عليها اللبنانيون فيمكن اعتمادها كنظام سياسي جديد للبنان».


في الختام، نعود إلى البدايات، إلى انطلاق عملها السياسي المستقلّ. صحيح أنها نشأت في بيت سياسي عريق، وبيئة قدّمت شهداء ورؤساء ونوّاباً، وشاركت في كل الاستحقاقات السياسية، غير أن بصمتها أو حركتها، كانت مع بروز مسألة النازحين السوريين، فأطلقت «الجبهة الوطنية لعودة النازحين السوريين» من الديمان وأخذ بركة سيّد بكركي. هذا الملف على رأس أولوياتها كونه الأكثر ضرراً على لبنان وتركيبته، محذّرة من خطورة المادة 13 من قرار البرلمان الأوروبي الذي يمثّل مقدّمة لتوطين النازحين. لم يُخفف «طوفان الأقصى» من ديناميكية وعزيمة يمنى الجميّل على متابعة الموضوع وحثّ الجميع على المعالجات الفورية والجذرية، وتكوين رأي عام ضاغط على السلطة السياسية المولجة أخذ القرار والتنفيذ، والتفكير بمصلحة لبنان ومستقبله.