(CHURCHILL (Walking With Destiny تأريخ تناقضات تشرشل

4 دقائق للقراءة
churchill

أصبح ونستون تشرشل، بعد نصف قرن تقريباً على وفاته، الرجل الذي طمح إليه دوماً، فتحوّل إلى شخصية أسطورية خالدة! في استطلاع أجرته قناة "بي بي سي" عن "أعظم الشخصيات البريطانية"، تفوق تشرشل على شكسبير والملكة إليزابيث الأولى والأميرة ديانا. وفي استطلاع آخر شمل تلاميذ المدارس، اعتبره 20% منهم شخصية خيالية.

لا يمكن أن يبرع أحد في كتابة سيرته الذاتية القيّمة إلا إذا كان مؤرخاً لديه شغف بالماضي الغابر وأحداثه المشوقة. اشتهر أندرو روبرتس بتأريخ حياة النبلاء المحافظين، من أمثال اللورد سالزبوري واللورد هاليفاكس، قبل أن يصل إلى نابوليون. من المفاجئ إذاً أنه لم يصدر كتاب Churchill:Walking With Destiny (تشرشل: السير مع القدر) منذ فترة طويلة.



يمكن اعتبار تشرشل حلماً تاريخياً أو بطلاً حقيقياً كان يعشق قصة الجزيرة التي عاش فيها وكتب عنها على مر مسيرته المتقلّبة. لا يكتفي روبرتس باستكشاف مفارقات الماضي، كما فعل تشرشل، بل إنه يتغنى بالهالة الآسرة التي تمتع بها ذلك السياسي النافذ.

اليوم، في عصر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يجد البريطانيون المرتبكون في شخص تشرشل انعكاساً لأوهام مُرضِية عن عظمة بلدهم الغابرة.

يعيدنا روبرتس إلى مجموعة التناقضات الممتعة التي طبعت حياةً انتزعت النجاح من أنياب الفشل. يبدو تشرشل الذي يقدّمه إنكليزياً وأميركياً في آن، نبيلاً وديموقراطياً، مغامراً وجندياً، حالماً وفناناً ومتبجحاً، محباً للفراشات، صحافياً وكاتباً وروائياً، حذقاً ومتذمراً.



قد يبدو تشرشل متوحشاً ومحبوباً في لحظة واحدة، لكنه كان يعرف نفسه بما يكفي، فاعترف لأحد أصدقائه بأنه "مغرور لكن غير متغطرس". كان يحب الشرب في معظم الظروف، من دون أن يفقد السيطرة على نفسه. فاعترف في إحدى المناسبات: "لقد أخذتُ من الكحول أكثر مما أخذت الكحول مني". يزعم روبرتس، على عكس الأدلة المتاحة، أن تشرشل لم يثمل في زمن الحرب إلا في 6 تموز 1944.

يحمل هذا الكتاب بُعداً ممتعاً! لن نجد فيه تشرشل بنسخته الشيطانية المُحَرّفة، أي مجرم الحرب، أو الديكتاتور المحلي، أو ناكر محرقة اليهود. على مر أكثر من 1100 صفحة، يظهر تشرشل بصورة القوي والرجولي والمتقلّب. يتناول روبرتس أحداثاً مألوفة، على غرار الهرب من جماعات البوير، وتجارب كادت تودي بحياته، وكوارث الدردنيل ومعيار الذهب. لكن تتعلق إحدى مصاعب الكتابة عن تشرشل بإقدام هذا الأخير أصلاً على كتابة سيرته الذاتية بأسلوب لا يُضاهى: My Early Life (أولى مراحل حياتي)،The World Crisis (أزمة العالم)، The Second World War (الحرب العالمية الثانية). مع ذلك، ينجح روبرتس في إعادة إحياء ذكريات مميزة بأسلوب لامع ولا يحاول التفوق على تشرشل بأي شكل.



نحن أمام سيرة تقليدية فيها خرائط ورسوم توضيحية ممتازة، فضلاً عن نظرية متوقعة تقسم حياة تشرشل إلى لعبة من نصفَين: بدءاً من ولادته في العام 1874، مروراً باستعداده لمحاكمات العام 1940، وصولاً إلى رده المدهش على خطر الغزو النازي. وراء هذا التقسيم البسيط ظاهرياً، تكمن رسالة ضمنية عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مفادها أن "البريطانيين العظماء" يستطيعون شق طريقهم وحدهم، ضد العالم كله، وترسيخ هيمنتهم التاريخية بناءً على قوة الإرادة الوطنية النبيلة. لكنّ المسألة أبسط من ذلك! بعيداً من العبارات المنمّقة، كانت الحروب الخاطفة والمعارك البريطانية تتطلب شكلاً من التحدي الخطابي والتفاؤل الجنوني، وهو ما ميّز تشرشل بالفطرة. إنه الرجل الذي أخبر صديقه في عمر السابعة عشرة: "أنا سأنقذ لندن وإنكلترا من الكارثة"! لطالما كان مقتنعاً بأنه "يسير مع القدر". بالنسبة إلى تشرشل الذي جاهر بكل قول وفعل علناً في الشؤون الدولية، كانت سنة 1940 فرصة مثالية استفاد منها حتى النهاية. باختصار، أعظم الجنرالات يجيدون اغتنام الفرص!



في هذا الكتاب، يظهر تشرشل بصورة وصي العرش والوطني الأصيل أكثر من أعظم القادة في العصر الفيكتوري، وقد ترسّخ غروره الإنكليزي الكامن بفعل جرأته الأميركية. في النهاية، يتّضح استنتاج مفاجئ وغير متوقع عن حياته الحافلة، إذ يبدو أن جميع الصفات التي نكرهها لدى ترامب، أي التعصب والكذب والسوقية والشوفينية والنرجسية والأحكام المسبقة، موجودة بدرجة طفيفة في شخصية تشرشل، لكن يطغى عليها الذكاء والفطنة والوقار والسخاء. لقد كان رجلاً شجاعاً ولامعاً وشقّ طريقه بنفسه نحو المجد. أخيراً، يبرز استنتاج مهم آخر: تتعلق المأساة الحقيقية في أزمتنا الراهنة بعجزنا عن إيجاد شخصية شجاعة أو لامعة بما يكفي، سواء في الحكومة أو المعارضة، لمواجهة التحديات التاريخية.