رواد مسلم

مؤشرات تموضع المدرّعات الإسرائيلية غير مطمئنة

5 دقائق للقراءة
مدرّعات إسرائيلية متمركزة على الحدود مع قطاع غزة الخميس الفائت (أ ف ب)

عادت العمليات الحربية الإسرائيلية في قطاع غزة، بعد دقائق من انقضاء اليوم السابع للهدنة بين الطرفين، بإعلان الجيش الإسرائيلي في بيان أنّ حركة "حماس" خرقت الوقف العملياتي وأطلقت النار على الأراضي الإسرائيلية وأنّه سيستأنف القتال ضدّ الحركة في القطاع، مشيراً إلى أن الصاروخ الذي إعترضته الدفاعات الجوية الإسرائيلية قبل ساعات من إنتهاء الهدنة، قد إنطلق من غزة، وبالتالي عادت الجهود الهجومية الإسرائيلية بعد 7 أيام من التخطيط التكتي وإعادة التنظيم والتموضع.

توغّلت القوات الإسرائيلية عبر 3 محاور إلى داخل القاطع الشمالي من قطاع غزة قبل أسبوعين من دخول الهدنة حيّز التنفيذ في 24 تشرين الثاني، وقد إحتلّته بشكل شبه كامل بعد عزل مدرّعات المحور الشرقي القسم الشمالي للقطاع عن قسمه الجنوبي، وإحتلال مدرّعات المحور الشمالي الغربي الشاطئ، وصولاً إلى الوسط حيث نقطة إلتقاء المحورين، وإحكام الحصار على مدينة غزة ومخيّم الشاطئ بقطع كلّ الطرق الرئيسية المؤدية إليهما، ووصول مدرّعات المحاور الثلاثة على تخوم المدن حيث إنتقل الهجوم إلى أسلوب القتال في المدن.

تظهر صور الأقمار الإصطناعية أنّ الجيش الإسرائيلي قد أعاد تموضعه خلال فترة الهدنة، فالمدرّعات الإسرائيلية كانت تتجمّع في 4 مواقع على جوانب شارع الرشيد غرب غزة. كما تظهر الصور تجمّعاً آخر في نقطة متقدّمة على تخوم مدينة غزة في منطقة السرايا وشارع الجلاء، فضلاً عن تجمّعات أخرى في ميناء غزّة قبل 24 تشرين الثاني، لكن هذه التجمعّات بدت شبه خالية في صور جوية إتخذت بعد دخول الهدنة حيّز التنفيذ، في حين تواجدت حشود مدرّعة كبيرة على جوانب السياج الفاصل للقطاع في الشمال والجنوب وفي غلاف غزة، إضافةً إلى رصد عدد من الآليات داخل القاطع الشمالي القريب من الحدود.

لذلك، يعرف الجيش الإسرائيلي أنّ بقاء تجمّع المدرّعات في ذات المواقع سيجعلها أول أهداف "حماس" مع عودة العمليات العسكرية، وبالتالي عمل على توزيعها خلال فترة الهدنة لحمايتها من الأسلحة المضادة للدروع، وسحب نحو 450 دبابة منها إلى نقاط خلفية حول القطاع لإعادة تجهيزها وزيادة قدراتها الدفاعية وإعادة إصلاح الآليات التي إستهدفت، وبالطبع إعادة تشكيلها ضمن خطة تزويد عملياتي تحت إمرة منظومة قيادة وسيطرة جديدة ستتفعّل بمجرّد إعطاء الأمر بالتوغّل مرّة أخرى عبر محاور مختلفة إلى نفس المناطق في إتجاه مدينة غزة، أو التوجّه نحو القاطع الجنوبي للقطاع.

من غير المستبعد أنّ الجيش الإسرائيلي سيشنّ هجوماً أشرس بعد الهدنة من قبلها، وذلك بعد الإرتياح السياسي والإجتماعي الذي تلقّاه من تحرير قسم من الرهائن. لذلك تعتبر مؤشّرات إنسحاب المدرّعات وإعادة التشكيل غير مطمئنة، فمِن المتوقّع أن تكون المحاور الجديدة للمدرّعات الإسرائيلية متّجهة نحو جنوب غزة بالتزامن مع توغّلات في الشمال للقيام بعمليات محدودة شمالاً وتوغّل شامل جنوباً، وذلك لتحقيق الهدف الرئيسي للحرب بالقضاء الكامل على "حماس" واستعادة الرهائن كافة.

الهجوم البرّي في الجنوب لن يكون مشابهاً للهجوم في الشمال، فالمساحة الجغرافية جنوباً أكبر، والمدن متباعدة، لذلك فإنّ عدد الدبابات سيكون أكبر، كما سيكون هناك حرّية المناورة لتطويق المدن ومن ثمّ التوغّل بالمشاة إلى داخلها. لكنّ المرحلة الأولى ستكون بعمليات التمهيد الناري التي ستقوم بها المقاتلات والمدفعية الإسرائيلية بكثافة على المخيّمات والمباني المرتفعة والبنى التحتية التي يُمكن أن يستخدمها عناصر "كتائب القسّام" لاستهداف المدرّعات أو المشاة المتوغّلين عند بدء الهجوم البرّي الثاني الواسع.

الخسائر البشرية في جنوب القطاع ستكون أكبر من شماله، بفعل أنّ حوالى مليون مدني فلسطيني قد هربوا من القصف المدمّر من الشمال وتوجّهوا إلى مناطق الجنوب، حيث سيكون الإكتظاظ السكاني كثيفاً للغاية، وبالتالي من المتوقّع أن تكون الخسائر كبيرة، ما ينبئ بأنّ نية الجيش الإسرائيلي ليست فقط القضاء الكامل على "حماس"، بل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة نحو صحراء سيناء، ما قد يؤدّي إلى جرّ أطراف ودول وتنظيمات أخرى سبق أن حذّرت من نوايا التهجير القسري، للدخول في الحرب ضدّ الإسرائيليين، الأمر الذي يرفع من احتمالات اقحام المنطقة في حرب إقليمية تمتدّ من بحر العرب إلى البحر المتوسّط، بينما تعمل الولايات المتحدة على تجنّبها من خلال رسائل الردع في البحرَين.

على الرغم من تأكيد الدعم الأميركي للجهود الإسرائيلية بالدفاع عن نفسها وإستمرار القتال مقابل حماية المدنيين، إلّا أنّ "حماس" قد ربحت الحرب النفسية خلال فترة الهدنة، وذلك من خلال تصوير عمليات تبادل الأسرى وإظهار أنّ التعامل مع الرهائن كان عكس الرواية الإسرائيلية التي تدّعي تعذيبهم. وبالتالي، الكشف أمام الرأي العام العالمي أنّ "حماس" ليست إرهابية وتحترم الأسرى، حسب القانون الدولي الإنساني، مقابل تصريحات الأسرى الفلسطينيين التي تؤكّد حصول إنتهاكات لحقوق الإنسان داخل السجون الإسرائيلية، وتالياً تغيير مواقف الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، ليس لمساعدة "حماس"، بل على الأقل لعدم دعم الجهود الإسرائيلية ووضع حدود للمجازر ضدّ الإنسانية المحتملة في القطاع.