«حزب الله» من أكثر المفردات تداولاً في القاموس السياسي في لبنان والمنطقة والعالم، والأمر نسبي. لم يأتِ ذلك من فراغ. هو مرتبط بصعود «حزب الله»، سياسيّاً واجتماعيّاً، وبدوره ونفوذه. وهذا، وسط الاختلاف والانقسام الحادّين في شأنه، ما يجعل كثرةَ التداول أمراً عاديّاً لا مفاجأة فيه.
على الرغم من ذلك، ثمة ما هو لافت في الأمر. وهو أن «حزب الله» من أكثر المفردات التي تُحمّل بمعانٍ ومدلولات من خارجها، وتحديداً من تصوّرات مستعمليها وما يريدون قوله عنه، سلباً أم إيجاباً. وهذا ما جعل الكلمة بمثابة تعبيرات عن نظرات الآخرين إليه، أكثر مما هي تعريفٌ به وبعقيدته وممارسته وتاريخه...
لا شك في أن «حزب الله» يتحمّل جزءاً من المسؤولية في ذلك. فهذا الكيان السياسي والعقائدي والاجتماعي، المولود في حرب لبنان ولمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، والذي نما على مدى أربعة عقود، وتضخّم حجمه وتمدّد في لبنان وخارجه، ومرّ بتحوّلات عدة وسط تغيّرات داخلية وخارجيّة، لم يواكب ذلك بمنتج فكري وثقافي (من الأمثلة على ذلك، أنه علّق شعار «الثورة الإسلامية في لبنان» وقدّم شعار «المقاومة الإسلامية» من دون أن يفسّر ذلك وأبعاده فكرياً وسياسيّاً، ومن دون أن يقدّم رؤيته لنفسه وللبنان). فعلى الرغم من حاجته إلى ذلك، في ظل الإشكاليّات التي رافقت صعوده وسياسته وارتباطه بإيران، ركّز على البيئة المذهبية وشدّ عصبها، واكتفى بالمضمون العقائدي والسياسي للثورة والدولة في إيران وبمجموعة أوّلية من الأدبيّات والوثائق. وفيما تعدّدت جبهاته، سياسياً وعقائدياً وجغرافيّاً، وتنوّعت مهمّاته، واتسعت قاعدته وبيئته، وتكاثر خصومه وأعداؤه، استساغ ظاهرة القائد الكاريزمي وتمحور حولها وتمأسس بانتظام وتخطيط وفاعلية. وفيما احتشدت الأسئلة في شأنه وفي خصوص سياساته وأهدافه واستراتيجيته، وازدادت الحاجة إلى إجابات فكرية وسياسية واضحة وموثّقة، احتلّ القائد الكاريزمي المشهد وباتت أقواله هي النص الفكري والسياسي شبه الوحيد. لكن، في حين نجح ذلك في البيئة الحاضنة، لا سيما أن القائد يدمج ما بين العقائدي والسياسي، بقي تأثيره خارج تلك البيئة محدوداً وظرفيّاً ومترجرجاً. فإهمال «حزب الله» نشر محتوى فكري وسياسي، ولذلك قيود تتعدّى إرادته وتتعلق بالطائفية والنظام والمتغيّرات، كشف مساحات شاسعة وشاغرة بينه وبين الآخرين.
في مقابل هذا التقصير وأسبابه ونتائجه، هناك فائض من الأحكام المسبقة تجاه «حزب الله». وكثيراً ما تغلب المواقف الجاهزة في تناول الآخرين له. وهنا، لا يغيب صوته فحسب، بل تطغى الإسقاطات أيضاً. وإذ يبدو ذلك من عوارض الصراع السياسي والعقائدي والدعائي والاستخباري والعسكري، الذي يلعب فيه «حزب الله» دوراً متقدّماً، لا بد صوناً لحرية الرأي والتعبير وللمنهجيات العلمية من الفصل ما بين الأحكام المسبقة والمواقف وبين المعلومات. وهذا ما لا يفعله في كثير من الأحيان خصوم «حزب الله». علماً أنه يمكن، بكل تأكيد، نقد «حزب الله» والاختلاف معه، ومخاصمته أيضاً، مثله مثل أي قوة سياسية وعقائدية أخرى، بناءً على سياسته وعلاقاته وهويّته...، ولا حاجة أو مبرّر إلى ما يُحل بدلاً من هذه. وهذا نادر في المقاربات السياسية والفكرية التي تتناول «حزب الله». وإذا كان ذلك نتيجة غلبة الانحيازات السياسية، فإنّه يضيء على محدودية القراءة والمنهجية العلميتين في تناول «حزب الله» وضآلة تأثيرهما في السياسة.
خدمت تلك المعركة «حزب الله» أكثر مما أضرّت به، إلى حد بات يقال معها إن الحزب محظوظ بخصومه أكثر من حلفائه. ففي حين أفقدت الخطابات الأيديولوجية التي اعتمدها خصومٌ له كثيراً من الأدوات والقدرات والمساحات السياسيّة، شدّت المعركة عصب بيئته وأسهمت في تخصيب لغة دفاعها عن نفسها وتراجع الثقة بالآخرين. وقد غطّت غبار المعركة ثغرته الناتجة من التقصير الفكري السياسي. والأهم من هذا هو أن الالتباس المعرفي بشأن «حزب الله» تحوّل إلى إشكالية سياسية يصعب من خلالها فهم الحزب والتعامل معه. ومهمةُ الخروجِ من ذلك ضروريّة، وهي مسؤولية الجميع وكلٌّ من موقعه. والمعيار الأساس في ذلك ليس الإيجابية تجاه «حزب الله» إنما الواقعية والعلمية.