رواد مسلم

كيف يُقسّم الجيش الإسرائيلي قطاع غزة؟

4 دقائق للقراءة
خلال قصف المدفعية الإسرائيلية قطاع غزة أمس (أ ف ب)

يمضي قطاع غزة نحو مزيد من التصعيد العسكري وسط محاولات توغّل إسرائيلية بالمدرّعات نحو عمق مناطق توصف بأنها معاقل قيادية لحركة «حماس» جنوب القطاع، حيث تتركّز محاولات التوغّل البري في مناطق شمال شرق خان يونس على محور كيسوفيم - القرارة، بالتوازي مع توغّل آخر وعلى محورين، شمال حي الشجاعية وجنوبه في شرق مدينة غزة، وتركيز مدفعي لضرب مخيّم جباليا في الشمال تمهيداً لإحتلاله وإعتماده نقطة مراقبة كونه يرتفع جغرافيّاً عن المناطق المجاورة، فضلاً عن قصف جوّي ومدفعي عنيف لمواقع عدّة على كامل مساحة القطاع.

من الواضح أن الجيش الإسرائيلي يعمل الآن على تقسيم قطاع غزة إلى ثلاثة أقسام، فبعد عزل القاطع الشمالي عن القاطع الجنوبي من وادي غزة في مرحلة ما قبل الهدنة، يعمل الآن على تقسيم القاطع الجنوبي إلى قسمين، وذلك لفصل مدينة دير البلح المكتظّة بالعمران عن خان يونس، عبر محور كيسوفيم - القرارة وقطع ناري لشارع صلاح الدين، وبالتالي عزل مدينة دير البلح وشنّ الغارات الجوية الكثيفة عليها تمهيداً لمهاجمتها. لذلك ليس من المستبعد أن ينطلق محور آخر جنوب شرق مدينة خان يونس لمحاولة محاصرتها بإعتماد أسلوب الهجوم المزدوج أو مناورة «فكّي الكمّاشة».

هذا الأسلوب يعتمده الجيش الإسرائيلي الآن في منطقة حي الشجاعية شرق القاطع الشمالي المتاخمة لمدينة غزة، حيث تتمركز القوّة الضاربة لـ»كتائب القسّام»، وبالتالي ضرب الشجاعية يُخفّف العبء الهجومي عن مدينة غزة في المرحلة التالية، خصوصاً تخفيف الأعمال الفدائية عن القوات المُهاجمة من محور بيت لاهيا شمال شرق القطاع التي ستلتقي مع المحور الشرقي عند مدينة غزة. لذلك ليس من المستبعد أن يتقدّم الجيش الإسرائيلي في اتجاه منطقة الزيتون والتفّاح المتاخمتين لمدينة غزة وحصارهما بذات الطريقة، لتحقيق الهدف العسكري من الهجوم في القاطع الشمالي، وهو السيطرة على مدينة غزة.

أمّا في الجنوب، حيث تتوزّع مناطق سيطرة «كتائب القسّام» على ثلاثة ألوية، فيبدو أنّ الجيش الإسرائيلي يعمل على تقسيم القاطع الجنوبي حسب ألوية «كتائب القسّام»، فقد بدأ أوّلاً بالتركيز على لواء الوسط عند مدينة دير البلح ويتقدّم عبر محور كيسوفيم - القرارة الذي يعتبر في الوقت نفسه الحدّ الجنوبي الذي يفصل منطقة السيطرة العملياتية للواء الوسط عن منطقة سيطرة لواء خان يونس، وتعتبر الحدود الفاصلة للقطاع الدفاعي منطقة رخوة عسكريّاً. لذلك من المحتمل أن يعتمد الجيش الإسرائيلي هذه الحدود محاور تقدّم ليُقسّم القاطع الجنوبي إلى ثلاثة أقسام يعزل فيها ألوية رفح وخان يونس والوسط عن بعضها.

من الواضح أنّ الجيش الإسرائيلي يُغيّر استراتيجيّته الهجومية في المرحلة الثانية، فبعد أن اعتمد الهجوم الكامل في الشمال قبل الهدنة، يعتمد استراتيجية الهجوم التدريجي بعد الهدنة، فيُحدّد المناطق التي يُريد السيطرة عليها ويُحاول تركيز الجهد الرئيسي للقوات المُهاجمة على منطقة واحدة بدلاً من توزيعها على عدّة مناطق في الوقت نفسه، ويعمل على تطويق المنطقة عبر محورين فقط، ما يُخفّف من احتمالية الاستهدافات الفدائية على رقعة واسعة تفوق قدرة المراقبة الجوية والإستعلام التكتي على رصدها وإعطاء الأوامر لمعالجتها، خصوصاً أنّ معظم المناطق الجنوبية مبنيّة وستكون المواجهة فيها من المسافة صفر.

في المقابل، تتطوّر تكتيكات المدافع مع دخول الحرب المرحلة الثانية بعد فترة الهدنة، فقد استُهدف حوالى 60 جنديّاً إسرائيليّاً في جحر الديك حيث يُقيم الجيش الإسرائيلي منطقة لوجستية داخل القطاع، وذلك بعد رصدهم ومراقبتهم وزرع ثلاث عبوات ناسفة بشكل دائري حول خيمهم. وبعد تفجيرهم عن بُعد، تدخّلت مجموعة الإسناد التابعة لـ»كتائب القسّام» لتشتبك مع القوات الإسرائيلية هناك بشكل مفاجئ، ما يُبيّن قدرة «القسّام» على الإستعلام التكتي الدقيق خلف خطوط العدو، بالإضافة إلى تدمير أكثر من 28 آلية عسكرية كلّياً أو جزئيّاً في كلّ محاور القتال منذ عودة الاشتباكات بالعبوات اللاصقة أو المقذوفات، حسب المتحدّث العسكري باسم «القسّام».

المرحلة الحالية للتقدّم الإسرائيلي سريعة بفعل أنّ الأراضي الحدودية في الجنوب هي زراعية وتتقدّم المدرّعات على طرقات معبّدة غير متضرّرة، لكن بمجرّد الدخول إلى المدن المدمّرة ستستخدم «كتائب القسّام» الأنفاق بشكل كثيف، وستعتمد الأسلحة الخفيفة المضادّة للدروع والتفجيرات التي تُفجّر عن بُعد، ما يُبطئ التقدّم ويُكبّد الجيش الإسرائيلي خسائر مادية كبيرة في الجنوب، فمساحة الجنوب أكبر بمرّتين تقريباً من الشمال، وعمقه أوسع يصل إلى 12 كلم، وبالتالي التوقّف في مدن كبيرة متعدّدة ومعارك متقاربة عديدة تجعل التفوّق الجوي الإسرائيلي عاجزاً عن التدخّل وتكون اليد العليا لأصحاب الأرض.