رواد مسلم

"حرب الاستنزاف" تصبّ في صالح موسكو

5 دقائق للقراءة
من آثار القصف الروسي على كييف أمس الأوّل (أ ف ب)

حلول فصل الشتاء على ميدان المعارك الروسية - الأوكرانية ليس السبب الوحيد وراء جمود الحرب، فبعد ستّة أشهر من شنّ الجيش الأوكراني هجومه المضاد لاستعادة الأراضي التي احتلّها الجيش الروسي منذ 24 شباط 2022، لم يتمكّن الجيش الأوكراني المدعوم عسكريّاً من أقوى جيوش حلف شمال الأطلسي من إحراز أي تقدّم ميداني إستراتيجي كان وما زال يطمح لتحقيقه. كذلك، فشلت القوات الروسية في إحراز انتصار ميداني كبير تُجبر من خلاله الأوكرانيين على التفاوض لإنهاء حرب الإستنزاف التي تكبّد الطرفين أعباء اجتماعية واقتصادية كثيرة.

لكن، هذه الفترة من الجمود يستفيد منها الجانب الروسي، صاحب المصانع الدفاعية المحلّية، ففي الوقت الذي تحوّل فيه التركيز العالمي نحو الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، وتحويل جزء من المساعدات المالية والعسكرية التي كانت تذهب لأوكرانيا إلى إسرائيل، فضلاً عن سوء الأحوال الجوية وانعكاساتها السلبية على الهجوم الأوكراني المضاد، يستفيد الجيش الروسي من الوقت لإعادة التصنيع العسكري المحلّي وتجهيز الجيش وتقوية خطوطه الدفاعية، ووضع خطط عمليات للدفاع والهجوم المستقبلي، تزامناً مع إشغال كافة الجبهات بعمليات محدودة.

يعلم المخطط العسكري الروسي بأنّ الجيش الأوكراني لن يقوم بأي هجوم معاكس قبل الربيع، خصوصاً بعد مرور أكثر من شهرين على تقليص حجم المساعدات العسكرية الغربية، وبعد تكثيف الجيش الأوكراني من تحركاته في بناء التحصينات بالأخصّ في الجبهة الشرقية. لذلك، تعتمد موسكو منذ أيلول على إستراتيجية ضرب قدرات الدفاع الجوي لدى الجيش الأوكراني واستنزاف إحتياطات الجيش الأوكراني من صواريخ المضادات، وذلك من خلال إطلاق أسراب من المسيّرات الانتحارية من نوع «شاهد 136» والصواريخ البعيدة المدى من نوع «كروز» بشكل روتيني، لضرب بطاريات أنظمة الدفاع الجوي المتمركزة في العاصمة كييف وبالقرب من منشآت الطاقة لحمايتها.

مع إشتداد حدّة الثلوج والبرد، وزيادة حاجة الشعب الأوكراني للطاقة، غيّر الجيش الروسي أسلوبه في استهداف الدفاعات الجوية ومنشآت الطاقة الأوكرانية سعياً منه إلى اختبار ردّة فعل الدفاعات الجوية والعمل لاحقاً على إرباكها أو تجنّبها وتأكيد إصابة الهدف. فبعد فترة طويلة من اعتماده على صواريخ «كروز» من طراز «كي 55» القديمة، أطلق الجمعة 19 صاروخ «كي 101 كودياك» جو - أرض، الذي يعتبر الأحدث والأكثر دقّة من الصواريخ الجوية الأخرى التي تطلق من القاذفات الاستراتيجية الروسية من طراز «توبولوف 95»، بالتزامن مع صواريخ خداعية أخرى، لكن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراض 14 صاروخاً.

في المقابل، تعتمد أوكرانيا على إمدادات الأسلحة والذخائر من المصانع الغربية بدلاً من المصانع الدفاعية المحلّية، التي هي في طور الإنشاء بعد تمكّن كييف في أيلول الماضي من التوصّل إلى «تحالف الصناعات الدفاعية»، الذي يضمّ إلى جانب أوكرانيا، 13 شركة أسلحة رائدة، من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والسويد والتشيك وتركيا، والعديد من الدول الآسيوية وأستراليا، لإنتاج الصواريخ والمسيّرات وقذائف المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي.

وفي الوقت الذي تأمل فيه أوكرانيا بالحصول على كميات كبيرة من الأسلحة المطلوبة من الحلفاء، تستفيد من مرحلة الجمود من خلال تبادل البيانات الفنية والتكنولوجية مع مصانع عسكرية أميركية تمهيداً للبدء بمشاريع انتاج أسلحة محلّية الصنع مثل مشروع نظام الدفاع الجوي «فرانكن سام» الذي يدمج صواريخ «آر اي ام 7» الأميركية في ترسانة أنظمة صواريخ «بوك» أرض - جو ذات التصميم السوفياتي التي تمتلكها أوكرانيا، فضلاً عن مشروع آخر يدمج صواريخ جو - جو «اي آي ام 9 أم» الأميركية مع رادار سوفياتي مركّب على المقاتلات السوفياتية التي تمتلكها أوكرانيا من طراز «ميغ 29» و»سو 27».

المصانع الدفاعية المحلّية هي الحلّ الوحيد أمام الجيش الأوكراني لإنجاح هدفه بإستعادة الأراضي المحتلّة في ظلّ الإنشغالات الدولية بتعدّد الأزمات وفي ظلّ معارضة أطراف ودول استمرار تقديم المساعدات. لذلك، لا بدّ من خلق صناعة عسكرية أوكرانية تتناسب مع حجم القدرات الصناعية لدى الجيش الروسي. لكن هل سيقف الجيش الروسي مكتوف الأيدي؟ القاذفات الجوية الروسية تطلق صواريخها على العاصمة كييف، فهل ستتجنّب المصانع العسكرية؟ وبالتالي، لا بدّ من تأمين الحماية الجوية الكاملة للأراضي الأوكرانية بتسريع وصول مقاتلات «أف 16»، وزيادة أعداد أنظمة الدفاع الجوي «باتريوت» و»ثاد» لتُغطّي كامل الأراضي الأوكرانية.

في ظلّ إرتباك الطرف الأوكراني وخلفه حلف شمال الأطلسي حول مصير المساعدات العسكرية، ليس مستبعداً أن يكرّر الجيش الروسي «العملية الخاصة» التي أطلقها في شباط 2022 أو أن يسترجع زخمها ويأخذ دور المُهاجم مرّة أخرى، وذلك من اتجاهات مختلفة ولأهداف معيّنة، كإحتلال كييف والقضاء على السلطة، أو زيادة مساحة الأراضي التي سبق أن احتلّها، لإرتياحه لجهة إعادة تصنيع الأسلحة والذخائر، ولإيمانه بثبات حلفائه مثل إيران والصين وكوريا الشمالية على دعم بلاده.