رفيق خوري

كل السلطة لمن يعطّلها

دقيقتان للقراءة

في بطرسبورغ العام 1917 كان شعار: "كل السلطة للسوڤيات". لكن السلطة التي تولاها كيرنسكي بعدما أخذها من القيصر نيقولا الثاني "ثورة بلا قيادة" حسب تروتسكي، انتقلت في ثورة أكتوبر إلى البلاشفة بقيادة لينين ومعه تروتسكي. وفي الأردن العام 1970 أطلق تنظيم فلسطيني مصاب بما سماه لينين "مرض الطفولة اليساري" شعار: "كل السلطة للمقاومة". وما حدث أن السلطة بقيت في يد الملك حسين وأن المقاومة خسرت قواعدها أمام الجيش واندفعت صوب لبنان الذي قال عرفات إنه "حَكَمه" قبل إخراجه منه مرتين. "حزب الله"، الذي يقول أمينه العام السيد حسن نصرالله "إن المستقبل في المنطقة لمشروع المقاومة"، لم يرفع في لبنان شعار "كل السلطة للمقاومة". لكن ما نعيشه هو واقع: كل السلطة لمن يعطّلها.

ذلك أن سلاح التعطيل كان ولا يزال أداة في المعارك السياسية. يستخدمه الضعيف والمستضعف حيناً، ويستخدمه في أحيان كثيرة القوي والذي يتمتع بفائض القوة، لا من خارج السلطة بل من داخلها بعدما صار من النادر أن يفضل أي طرف دور المعارض. ولا حدود يقف عندها التعطيل: من تعطيل الإنتخابات النيابية إلى تعطيل المجلس النيابي نفسه، ومن تعطيل الحكومات وعرقلة تأليفها إلى تعطيل الإنتخابات الرئاسية.

والوسائل محددة. الطرف القوي يفرض ما يريد عبر سيناريوهين: التسليم له تحت عنوان التوافق أو التعطيل حتى يتحقق المطلب. هكذا جاءت التسوية السياسية التي بني عليها الوضع الحالي بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي: كان "تفاهم مار مخايل" رأس الحربة ثم جاء "تفاهم معراب" و"تفاهم باريس" مع "تفاهمات" ضمنية في واشنطن والرياض وحماسة في طهران ودمشق. وهي تبدلت بعد النجاح ولا تزال باقية. وهكذا شهدنا المساعي لإضعاف تمثيل الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع وزعيم "الحزب التقدمي" وليد جنبلاط في الحكومة. وهكذا نشهد اليوم مرور شهر على تعطيل مجلس الوزراء بعد حادثة قبرشمون.

كان التصور أن استمرار الخلاف على إحالة الحادثة إلى المجلس العدلي هو الشجرة التي تحجب الغابة. لكن أهل التعطيل يرون أن الحادثة هي الغابة. فكل ما في لبنان من أزمات اقتصادية ومالية وتحديات وطنية وسياسية هي الشجرة. أما الغابة، فإنها تحديد أدوار اللاعبين عبر التكبير والتصغير، ضمن توظيف التسويات في سياسة الغلبة التي هي جزء من مشروع إقليمي كبير.

وحين تصبح التسوية ثابتة والخلافات ثابتة، فإن المتغير هو لبنان.