تتركّز العمليات الهجومية الإسرائيلية الأساسية على أطراف مدينتي غزة وخان يونس، وتعتبر جميع الجبهات المفتوحة على كامل قطاع غزة، عمليات مساندة ووسيطة للعمليات الأساسية التي تهدف إلى السيطرة الكاملة على تينك المدينتَين التي يعتبرهما الجيش الإسرائيلي مركزي ثقل حركة «حماس». وتعتبر طبيعة القتال في معظم هذه العمليات الوسيطة، قتالاً في الأماكن المبنيّة، أو ما يعرف بالقتال من المسافة «صفر»، ما يُبرّر ارتفاع الخسائر البشرية والمادية لدى الجيش الإسرائيلي، التي وصلت خلال فترة 72 ساعة إلى 72 آلية عسكرية و36 ضابطاً وعنصراً إسرائيلي، حسب إعلان «كتائب القسّام» وفيديوات مواقع التواصل.
في جنوب القطاع، يُحاول الجيش الإسرائيلي التقدّم بالمدرّعات مباشرةً إلى داخل مدينة خان يونس التي يعتبرها مركز غرف عمليات «كتائب القسّام»، وذلك عبر ثلاثة محاور، من الجهة الشرقية عبر بني سهيلة، وعبر منطقة الزنّى من الجهة الشمالية الشرقية، وعبر منطقة حمد من الجهة الشمالية الغربية. بالتزامن، يعمد الى تصعيد وتيرة القصف على محور «فيلادلفيا» على الحدود الجنوبية، لإنشاء منطقة عازلة لمسافة 2 كلم تقريباً، خوفاً من إستغلال «حماس» الأنفاق في المنطقة لتهريب الأسلحة والأسرى وقيادات في الحركة خارج القطاع ولإحكام الحصار الكامل.
في شمال القطاع، يُحاول الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة تطويق مدينة غزة من ثلاثة إتجاهات مختلفة من خلال التقدّم بمدرّعات معزّزة بقوات مشاة على ثلاثة محاور تمرّ بمناطق مبنيّة وتحتوي على بنى تحتية عسكرية لـ»حماس». وانتقلت المعارك إلى أسلوب حرب المدن، أشدّها ضراوة محور حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث تُسيطر «كتيبة الشجاعية» التابعة لـ»حماس» والتي تعتبر القوّة الضاربة لـ»كتائب القسّام». كما تُحاول القوات الإسرائيلية التوغّل من الجهة الغربية والشمالية داخل مخيّم جباليا شمال مدينة غزة، وكذلك من حي الشيخ رضوان جنوب غرب مدينة غزة.
إنّ المعركة حاليّاً في شرق مدينة غزة تجري في الجزء الشمالي من حي الشجاعية، الى يسار شارع بغداد ويمينه وعلى مسافات محدودة لا تتعدّى الكيلومتر الواحد، وفق صور الأقمار الاصطناعية. وبالتالي، تُعتبر هذه المعارك تمهيدية للمعارك الأساسية التي ستقع داخل البقع المكتظّة حيث الثقل العسكري الأساسي لـ»كتيبة الشجاعية». لذلك، ليس مستبعداً أن تكون الخسائر البشرية مرتفعة جدّاً لدى الطرفين عند وصول المشاة الإسرائيليين إلى مركز حي الشجاعية.
تمكُّن «حماس» من قتل 20 ضابطاً وعنصراً إسرائيليّاً في محور الشجاعية خلال 24 ساعة فقط، بينهم ضباط برتب عالية ووظائف مهمّة كقائد كتيبة، يُبيّن أنّ عقيدة القتال لدى الجيش الإسرائيلي تفتقر للثقة القتالية لدى العناصر. لذلك، يُركّز الجيش على مشاركة ضابط قائد كتيبة أساسي وضابط مساعد في الخطوط الأمامية في كلّ كتيبة مدرّعات مهاجمة، والكتيبة مؤلّفة من أربع سرايا يقود كلّ سرّية ضابط أساسي وضابط مساعد، وكلّ كتيبة مشاة ميكانيكية مثلاً مؤلّفة من 47 دبابة يقودها 11 ضابطاً على الأقلّ، ما يُبيّن إرتفاع عدد الضباط في أي هجوم، وبالتالي إرتفاع نسبة خسارتهم في أي كمين.
أمّا بالنسبة إلى الخسائر المادية، فإنّ العدد المرتفع من الدبابات المستهدفة، يكشف خللاً في حماية الدبابات والآليات المدرّعة الإسرائيلية لأسباب متعلّقة بطبيعة الميدان والمسافات. إنّ مدرّعات الجيش الإسرائيلي مجهّزة بأنظمة وأجهزة حماية متطوّرة ذات كلفة عالية، مثل نظام «تروفي» من إنتاج شركة «رافائيل» الإسرائيلية التي بدأت المصانع بإنتاجه منذ 2007 لحماية الدبابات، خصوصاً بعد الخسائر العالية في الدبابات الإسرائيلية خلال حرب تموز 2006 بعد استهدافها بصواريخ «كورنت» و»أر بي جي». وقد تمّ إختبار نجاحه للمرّة الأولى في عام 2011 عند إعتراض دبابة «ميركافا 4» صاروخاً أطلقته «حماس» على حدود غزة.
يُستخدم نظام «تروفي» في دبابات «أبرامز» الأميركية و»تشالنجر 2» البريطانية منذ 2018، وقد أثبت فعاليّته في الحرب الأوكرانية، فهو مكوّن من رادار يُمكنه اكتشاف الصاروخ المتّجه نحو الدبابة في زاوية قدرها 360 درجة، ويمكنه إطلاق صاروخ اعتراضي نحوه وتدميره قبل أن يصل إلى الدبابة. لكنّه لم يثبت فعاليّته في غزة، ربّما لأنّه مصمّم للعمل في المناطق المفتوحة، حيث يتطلّب الصاروخ المتوجّه نحو الدبابة وقتاً أطول من صواريخ «حماس» القريبة جدّاً وبحقل رؤية واسع ودقيق، بينما يعمد عناصر «حماس» الى الظهور المفاجئ والقريب وسط الدمار، وبالتالي لن تتمكّن الرادارات من التعامل مع الأخطار في الوقت المطلوب.
يشنّ الجيش الإسرائيلي حرباً شاملة على قطاع غزة، فالتركيز الأساسي هو السيطرة السريعة على مساحات جغرافية. المرحلة الأولى قبل الهدنة لم تشهد خسائر عالية للجيش الإسرائيلي، وذلك بفضل عمليات الإسناد الجوي التي كانت تقصف كلّ القطاع. أمّا في المرحلة الثانية، فستكون الخسائر أكبر لدى الطرفين، وكلّ يوم تتقدّم فيه مدرّعات الجيش الإسرائيلي مدعومة بالمشاة داخل المناطق المبنيّة، ستلحقها خسائر باهظة، ما يزيد الضغط على القادة العسكريين الإسرائيليين لوقف الحرب، يُضاف إلى الضغط الدولي.