لا يمكن فصل خبر إعلان الجيش الإسرائيلي نهار الخميس الفائت عن السيطرة على حي الشجاعية شرق قطاع غزة بتفكيك القدرات الأساسية لـ»كتيبة الشجاعية» التابعة لحركة «حماس»، حيث وصفت المعارك فيها بأنها الأشدّ ضراوة وشراسة، عن الخبر المسائي، بسحب «الكتيبة 13» (جدعون) من لواء المشاة «غولاني»، بعد تكبّدها خسائر كبيرة ولإعادة تنظيم صفوفها، وذلك بعد نحو شهرين من القتال في شرق القاطع الشمالي لقطاع غزة، حيث قتل 41 من جنود وضباط لواء «غولاني» في معارك حي الشجاعية في غزة قبل نحو أسبوع، بينهم قائد اللواء وقائد «الكتيبة 13»، فضلاً عن مقتل 3 أسرى إسرائيليين بنيران صديقة.
يطبّق الجيش الإسرائيلي المبدأ السابع من مبادئ الحرب (مبدأ الأمن والحماية) من خلال التدابير التي يطبّقها القائد العسكري لحماية القوات المهاجمة، فبعد مخاطرة القتال من المسافة صفر لمدّة أسبوعين تقريباً ضدّ «كتيبة الشجاعية» التي تعتبر قوّة ضاربة ذات تدريب وتجهيز عالٍ، تمكّنت «الفرقة 36» مدرّع التي تضمّ لواء مشاة «غولاني» من تحقيق هدفها بتدمير مراكز قيادية وأسر قائد سريّة لدى «حماس» وكشف مئات فتحات الأنفاق وتدمير أكثر من 100 مبنى في الأيام الأخيرة، والتي يُمكن استخدامها من «كتائب القسّام» للتخفّي وتوجيه عمليات القنص والأعمال الفدائية.
لكن الخسائر البشرية الإسرائيلية العالية في حي الشجاعية خصوصاً، إنعكست بالطبع على معنويات عناصر كتيبة المشاة المنتشرة هناك، كما على كامل اللواء المؤلّف من سبع كتائب وبالطبع على عائلاتهم والرأي العام الداخلي المتعاطف. لذلك، قرّر القائد العسكري سحب «الكتيبة 13» واستبدالها بكتيبة مشاة من لواء «غيفعاتي» من ذات الإختصاص، لعدم ترجمة التأثير السلبي للمعنويات على العمليات المستقبلية وحمايتهم من استغلالات «كتائب القسّام» التي تُدرك الوضع المعنوي المتدنّي، وبالتالي ستُركّز على ضرب العدو في أكثر الأوقات ضعفاً، وفي الوقت نفسه التأكيد للرأي العام أنّ تحقيق الأهداف لن يحصل على حساب أمن العناصر وحمايتهم.
نقل الجيش الإسرائيلي بعد عملية «طوفان الأقصى»، جزءاً كبيراً من تشكيل «الفرقة 36» من المنطقة الشمالية لإسرائيل حيث تتمركز أساساً، أي في منطقة الجلیل والحدود مع سوریا ولبنان ووادي بیسان على الحدود مع الأردن، إلى منطقة العمليات في شرق القاطع الشمالي لقطاع غزة، معزّزة بكتائب من «لواء المظلّيات 35»، لتدعيم قدرة القوات البرّية في الجنوب لغزو القطاع، فكان دورها تطويق مدينة غزة ومهاجمة أهداف مختارة وتدميرها، بما في ذلك الأصول الهامة ومقرّات لـ»حماس».
«الفرقة 36» هي فرقة مدرّعة من أصل 9 فرق برّية في الجيش الإسرائيلي، تشكّلت عام 1954 تتبع قياديّاً مباشرةً لهيئة الأركان عبر قيادة المنطقة الشمالية، وتضمّ خمسة ألوية: اللواء المدرّع 188 باراك، اللواء السابع المدرّع، لواء المشاة الأوّل «غولاني»، لواء مدرّع (احتياط) واللواء 609 مشاة (احتياط)، فضلاً عن فوج المدفعية 212 وكتيبة إشارة.
أمّا لواء المشاة الأوّل «غولاني»، فهو أوّل لواء انضمّ إلى الجيش الإسرائيلي وقد سمّي نسبةً للجليل حيث يتمركز، تمّ تأسيسه على يد ديفيد بنغوريون، أوّل رئيس وزراء إسرائيلي عام 1948، ويُنظر إلى جنوده على أنهم نخبة الجيش، كون عناصره يخضعون لتدريبات قاسية واختبارات صارمة تتعلّق بنصب الكمائن واستراتيجيات الاستطلاع والتمويه والعمليات الخاصة في الأماكن المبنية في مركز تدريب يُطلق عليه اسم «قرية الجحيم»، ما يتطلّب قدرات بدنية وقتالية عالية. ويتكوّن هذا اللواء من ثلاث كتائب مشاة مؤلّلة مزوّدة بناقلات «النمر» ومدرّعات «أم 113» وكتيبة عمليات خاصة وكتيبة لوجستية وكتيبة هندسة وكتيبة إشارة.
عملية انسحاب واستبدال «الكتيبة 13» كان واضحاً قبل انطلاقها من خلال عمليات الستار الناري الذي خلقته المدفعية الإسرائيلية أمام الخطوط الأمامية للكتيبة ولفترة طويلة وبشكل مستقيم، وذلك لحجب الرؤية عن «كتيبة الشجاعية»، وبالتالي استبدال الكتيبة من دون معرفة مخابرات «كتائب القسّام». أمّا سبب سرعة استبدالها فيعود إلى نوعية آليات لواء «غولاني» التي هي بمعظمها من طراز «النمر» التي تعتبر سريعة المناورة في المناطق المدمّرة، وكذلك آليات «غيفعاتي» التي تمركزت مكانها.
سحب الجيش الإسرائيلي لكتيبة النخبة من حي الشجاعية لا يعني هزيمة «الكتيبة 13»، بل تأمين أمن عناصرها وحمايتهم للعمليات المسقبلية. ومن غير المستبعد أن يعمد الجيش الإسرائيلي إلى سحب واستبدال المزيد من الكتائب من الفرق الأربع والألوية التسعة المشاركة في حرب غزة.