"خبطة قدمكن عالأرض هدارة، إنتو الأحبة وإلكن الصدارة". هي أغنية جميلة، تنبض، غنتها فيروز تصدح في أرجاء "معرض الذاكرة". صوت صباح حاضر أيضاً وقادر "قادر قادر يا بطلنا عالشدايد قادر يا حارس أرزة جبلنا من العدوان الغادر". كلماتٌ جعلت صدورنا تدقّ فخراً وبقوة. وديع الصافي، إيلي الشويري، ماجدة الرومي... كثيرون غنوا لكن، تلك الكلمات التي صدحت أكثر من مرة في معرض ذاكرة الجيش اللبناني وفيها: "والشعب حلف ما بدو يحميه إلا الجيش اللبناني" أخذتنا الى مكان آخر، الى اللبّ والتمني والأمل ولبنان الحُلم. مديرية التوجيه في الجيش اللبناني... قصدت بثّ هذه الأغنية أم لا... شكراً.
ثالوث الجيش
"شرف تضحية وفاء". هذا هو ثالوث الجيش اللبناني. أما "شعب جيش ومقاومة" فثالوث آخر لآخرين. نقرأ الأوّل عند عتبة معرض الذاكرة ونلتقط صوراً بين دبابتين. هدوء شديد. والذاكرة مفلوشة على الجدران وأربع طاولات، على كل طاولة ألبوم سميك فيه عشرات الصور. فخامة رئيس الجمهورية يستقبل الزوار في صورة على جدار مواجه. هنري شهاب في صور. جميل لحود. رياض الصلح. كميل شمعون. رفيق الحريري. إميل لحود. الياس الهراوي. جان قهوجي. جوزف عون.... صور صور... وصور دورات تحمل أسماء ملفتة: دورة دولة سوريا! دورة غورو! دورة فلسطين! غريب!
دورة ليوتي لتخريج ضباط المدرسة الحربية في الجيش اللبناني (1932- 1924) تضم فرنسيين ولبنانيين وسوريين. صوت وديع الصافي عاد ليملأ الأسماع في المعرض- الذاكرة: "يا ابني بلادك قلبك عطيها وغير فكرك ما بيغنيها".
شهداء الجيش اللبناني على الجدران. شهداء معركة فجر الجرود. شهداء حرب تموز. شهداء عبرا. عرسال. طرابلس. الضنية. نهر البارد. نتأمل في وجوه الشباب - الشهداء. نتلو لهم الأبانا والسلام وتحية شكر. ونتابع.
لا تقتلوهم مرتين
لا تقتلوا شهداء الجيش مرتين. عبارة تتقدم في الذاكرة في هذه اللحظات. نتذكر الإنقسامات التي مرّ فيها جيشنا وخرج منها أقوى. نتذكر ذاك الملازم، الملازم أول، أحمد الخطيب الذي كان أوّل من قسم الجيش آخذاً معه ثلاثين عسكرياً ودبابة وشاحنة مؤسساً ما سُميّ "جيش لبنان العربي". حصل هذا في كانون الثاني العام 1976. نتذكر محمد عنتر وعبد القادر أكومي وعاطف سعد الدين وأحمد شحادة وأبو علاء سيف وخالد عبد المنعم... وسواهم... ممن أعلنوا انشقاقهم، قبل أعوام خمسة، عن المؤسسة العسكرية أما المؤسسة فسمتهم "فارين"! الجيشُ اللبناني مرّ بخيانات وانقسامات وانشقاقات لكنه استمرّ الأقوى في المحن.
ننظر في عيون ثلاثة عسكريين "يحملقون" في الصور المنثورة على جدران المعرض - الذاكرة فنراهم يشعرون بالفخر. نشعر مثلهم. ونتابع. وتأخذنا الذاكرة - الحاضرة الى مشاهد ومحطات لم تغب يوماً عن الذاكرة.
لا يسعنا أن نفكر بالأمن في لبنان من دون أن نفكر بالمؤسسة العسكرية الشرعية وعلى رأسِها مؤسسة الجيش اللبناني. ولا يمكننا أن نفكّر بهذا الجيش من دون أن نفكر بدويلة في قلب الدولة صنفت نفسها أكبر من الجيش والقانون والدولة. وأي دولة، في مفهوم كبار العسكريين، فيها أكثر من جيش مصيرها بالتأكيد الصدأ. فلا يمكن، بحسب عميد ركن متقاعد، أن تتداخل القوى العسكرية في بقعة واحدة بدليل أنه حين كان الحلف الأطلسي في أوروبا كان لكل دولة في الحلف قطاع، حتى الألوية داخل الجيش الواحد لا يحق لها أن تتداخل، بمعنى أن اللواء الأول ممنوع عليه أن يتحرك على أرض اللواء الخامس أو السادس أو الثامن. فما البال مع "مقاومة" تملك جيشاً أقوى، أو قد يكون أقوى، من الجيش النظامي وتتحرك على أرضِهِ كما تشاء وساعة تشاء".
تسلح؟ تسليح؟
نعود الى اللحظة، الى المعرض- الذاكرة، فنرى صوراً عن إطلاق لبنان صاروخ "هنيبعل" في 21 أيلول العام 1964 ومواجهة الجيش اللبناني الإعتداء الإسرائيلي في العرقوب العام 1970 وطائرات "فوغا"، وصوراً عن الأسلحة المضادة للطائرات من نوع "فومبير" وطائرات "هارفرد" التي كانت في حوزة الجيش اللبناني العام 1969. الجيش اللبناني بحاجة دائمة الى التسلح. فهل يحق لنا في عيده أن نتذكر آخر أسلحة أتته هدية؟
لا نتذكر هنا سوى "إشارة" الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله عن إمكان تأمين السلاح النوعي للجيش اللبناني من إيران. السيّد استبق العيد بوعدٍ، بهدية. لكن فلنسأل العميد الركن المتقاعد هنا أيضا عن نوع السلاح الذي إن قُدّم الى الجيش اللبناني فهل يفيده بدل "كلّ السلاح البالي" الذي يُقدّم في أحيانٍ كثيرة؟ يجيب: الجيش اللبناني هو مؤسسة وطنية عليها أن تضع لائحة بحاجاتها بحسب المهام التي تكلف بها حسب الأصول. وكلمة "تسلح" في ذاتِها كبيرة جداً. وكُلّ ما يُقدم الى الجيش، من هنا أو هناك، والكلام بالتالي عن تسلّح يفترض أن يشمل، ليتحقق، تقديم الحاجيات العسكرية البشرية من ذخيرة وثكنات ومشاغل ومدارس. في كلِ حال لم تتحدد يوماً مهمات الجيش اللبناني في شكلٍ واضح خطي بل حُددت بالعادة وفيها ثلاثة أنواع من المهمات: محاربة إسرائيل. وهناك ثلاثون قرية لبنانية ستكون مهددة على الحدود تبدأ من القاع حتى عنجر إذا شنت هذه الحرب. المهمة الثانية، فرض الأمن على الحدود الشرقية - الشمالية وتصل الى ثلاثين كيلومتراً وهي جردية والجيش لا يملك كل الوسائل التي تخوله فرض الأمن، وهو يحتاج الى وسائل لوجستية جديدة للقتال شبه مفقودة بينها أسطول جوي من طائرات إستطلاعية وطائرات قتالية وطائرات نقل.
الضمانة والقلب
للتذكير هنا، ذكّرنا المعرض أن لبنان استلم دبابات من الأردن العام 1965. ثمة صورة أخرى تعرض السرية الأولى للقناصة في لبنان. وثمة صورة ثالثة لعناصر من الجيش اللبناني يعملون في شركة الكهرباء العام 1966.
الجيشُ هو جيشنا. هو الضمانة والرئة والنبض والذاكرة والمستقبل. نتوقف عند دورة محمد زغيب (1947- 1949) ونقرأ في أرشيفٍ خُصص له على جدران المعرض وهو عبارة عن بطاقة عسكرية عليها آثار رصاصتين أصابتا صدره في 15 أيار العام 1948. وعلى هذه البطاقة تفاصيل: هو ملازم أوّل. قامته: متر و70. وجهه: مستطيل. عيناه: عسليتان. أنفه: عادي. استحقّ الملازم دورة باسمِهِ.
وقبل أن نغادر، نقرأ على علمٍ لبناني تحيات من قادة ونواب وساسة ومواطنين مروا في المكان: قائد الجيش العماد جوزف عون، وزير الدفاع الوطني الياس بوصعب، النائبة رولا طبش، ميراي سلامة رعد، العميد فؤاد الخوري، ازدهار حميه... ونقرأ: وطني لبنان شو بحبك. الله بحبك يا قائدنا العماد جوزف عون. كتبت بدمك الشرف والتضحية والوفاء كتبنالك بقلوبنا... نُمسك بقلمٍ ونكتب: ما بدنا سلاح بلبنان إلا سلاح الجيش اللبناني. التوقيع: نوال نصر. هنيئا لنا بك جيشاً وطنياً في عيدك الرابع والسبعين.