إيفون أنور صعيبي

حسابات الحقل "vs" حسابات البيدر

5 دقائق للقراءة
إنحسار للودائع بالعملات الاجنبية؛ إستمرار هروب الدولارات؛ إزدياد تضخّم المديونيّتين الداخلية والخارجية؛ تضاعف العجز المالي والعجز في ميزان المدفوعات؛ إستمرار انعدام تحويلات المغتربين لذويهم؛ نسب تضخّم متزايدة؛ إنخفاض مطّرد بمعدّلات النموّ... كلّها مؤشّرات تدعو الى الهلع...

من المرجّح ان تتجه وكالات التصنيف الدولية نحو تخفيض درجة التصنيف السيادي للدولة اللبنانية. هذه الامكانية وحدها كفيلة بمواصلة رفع أسعار الفائدة نظراً للمخاطر المتعلقة بالتوقف عن سداد الدين. وفي ظل الشكوك حول قدرة الحكومة على خفض العجز، يبقى القلق سيّد الموقف.

"ليست موازنة 2019 موازنة تقشفية بل انها موازنة توزيع الآلام كما انها تفتقر الى العدالة. وباستثناء الضرائب على الفوائد، فان فرض ضرائب عشوائية من دون الارتكاز على رؤية واضحة لا سيما خلال فترة الانكماش الاقتصادي ليس قراراً سليماً، يقول الاقتصادي روي بدارو. ويضيف"قبل الحديث عن تخفيض العجز ونسبه من الضروري احتساب قيمة العجز الفعلي والمتمثلة بالمتأخرات والمتراكمات التي لا تظهر في اكثر الاحيان ضمن ارقام الموازنة".

بين المُعلَن والفعلي.. أرقام مخفية

تشير البيانات الصادرة أخيراً الى نمو صافي الدين العام في لبنان بـ 1.7 مليار دولار في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019 مسجلاً انخفاضاً عن الزيادة التي كان قد لحظها بقيمة 2.3 مليار دولار مقارنة مع الفترة عينها من العام 2018. وهذا ما يدل على انكماش العجز المالي في الأشهر التي سبقت مرحلة اقرار موازنة التقشف الحكومية. وتوسع الدين الإجمالي بـ 699.2 مليون دولار لغاية نيسان 2019. الى ذلك انخفضت ودائع الحكومة لدى مصرف لبنان بـ 998.3 مليون دولار خلال الفترة عينها من العام السابق.

وقد تماشى تضخم صافي الدين بـ 6.6 مليارات دولار العام 2018، توازياً مع العجز المالي الذي بلغ 6.2 مليارات دولار والذي فاق توقعات الموازنة بـ 1.4 مليار دولار وذلك وفقاً لبيانات وزارة المالية.

الى ذلك، وخلال العام المنصرم، ارتفع الإنفاق الحكومي بنسبة 15.7 % ليصل إلى 17.8 مليار دولار أي ما يقدر بنحو 31.6 % من الناتج المحلي الإجمالي والسبب في ذلك عائد الى مرتبات القطاع العام اضافة الى الارتفاع في اسعار الوقود وتداعياتها على عجز مؤسسة كهرباء لبنان.

عن الموضوع يرى بدارو "ان حجم الانفاق في العام 2018 لا يتضمن المبالغ المستحقة للمتعهدين وللضمان الاجتماعي وللمستشفيات وغيرها من المرافق التابعة للدولة. المشكلة في الموازنة تكمن في احتساب العجز من دون التطرق الى مخصصات المؤسسات العامة كافة والتي يتخطى عددها ال90 والتي تشكل حجم العجز الحقيقي. هنا لا بد من السؤال: ماذا يعني قطع الحساب اذا كانت الموازنات لا تأخذ بالاعتبار مصاريف واحتياجات "كلّ" المؤسسات والمرافق العامة؟قي موازنة التدفقات المالية لا يمكن انجاز قطع الحساب ان لم نعرف قيمة المتأخراتفي السنوات السابقة. اما في ما يتعلق بما يحكى عن تخفيض العجز الى 7.6% فلنكف عن الغوص في النسب التي من الصعب ان تصدق ولنقم بتقديره وفقا للمعايير العلمية والقيم المطلقة على اعتبار انه من الصعب التنبؤ بقيمة الدخل القومي. انا أقدّره بـ 5 مليارات دولار. واذا كان عجز الموازنة 5 مليارات فان العجز الفعلي يقدر بحوالى 6.5 مليارات دولار اذا ما احتسبنا متأخرات ال2018 ومستحقات ال2019 التي من المرجّح أن تؤجّل".

من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي غازي وزني "ان تنامي الدين العام مرتبط مباشرة بعجز المالية العامة وذلك لان عملية تمويل الدين وخدمته تتم من مصادر داخلية (المصرف المركزي والبنوك التجارية). يجرى تمويل الزيادة عبر سندات الخزينة التي يصدرها مصرف لبنان بالليرة اللبنانية والتي يحمل المركزي 52% منها. في ما خص موازنة الـ 2019 فهي موازنة حسابية اما ما يتم تداوله عن خفض العجز الى 7.6 مليارات فرقم غير دقيق نظراً لحجم الايرادات المنتفخ والنفقات المنخفضة. من هنا يمكن القول ان العجز سيلامس الـ 9% كحد أقصى". من يدفع ثمن التقشف؟

توقع قانون موازنة الـ 2018 ان يبلغ إجمالي المصاريف النقدية 17.3 مليار دولار، بما في ذلك سلفة قدرها 1.4 مليار دولار لمساعدة شركة كهرباء لبنان لتتمكن من تحمل اكلاف الوقود. لكن السلفة المقدرة قفزت الى 1.8 مليار دولار اي بنسبة 32.3%. اما التبرير فكان ارتفاع أسعار النفط بنسبة 31.8% أي 71.3 دولاراً للبرميل. في الوقت عينه، ورغم التدابير التي اتخذت، فان العوائد الضريبية أتت اقل بكثير من التوقعات التي كان من المقرر تحصيلها. كما انخفض إجمالي الإيرادات بنسبة 0.7% إلى 11.5 مليار دولار، أي أقل من 846 مليون دولار. تراكم العجز دفع بالحكومة في ايار الماضي الى اقرار موازنة تقشفية من خلال تجميد التوظيف لمدة أربع سنوات ، وخفض رواتب للموظفين الحكوميين الحاليين والسابقين، والحد من فوائد التقاعد، وتخفيض انفاق المؤسسات العسكرية الى جانب زيادة ضريبة الدخل على الفوائد...

لحين تمكّن الحكومة من تقليص احتياجاتها للاقتراض، أخّرت دفعاتها المستحقة للمقاولين والمتعاقدين مع الدولة ابرزهم المستشفيات، والمنظمات غير الحكومية التي انضمت الى العسكر والمدارس الخاصة المجانية التي دفعت وحدها ثمن سنوات التبذير وبالتالي تداعيات التقشف. وفي ظل هذا المشهد السوداوي لم يعد مستغرباً اذا ارتفعت الفوائد. هذا الارتفاع قد يخيف البعض لكنه قد يغري البعض الآخر. وحدها السياسة وما ستؤول اليه تقرر الاتجاه. قد لا يكون هناك تخوف لناحية استقرار سعر الصرف ولكن التخوف الاكبر يبقى مقاربة موازنة 2020 والتي ستكون اما مفتاح الصعود او بوابة الانهيار. وفي كلتا الحالتين يبقى مد الجسور بين القطاعين العام والخاص المخطط الانقاذي الفعّال.