جاد حداد

American Symphony... بين النجاح والمأساة

4 دقائق للقراءة

بحلول منتصف الوثائقي المؤثر American Symphony (السمفونية الأميركية) للمخرج ماثيو هاينمان، تُعرَض لحظة عاطفية لا يمكن وصفها. يقف صاحب المواهب الفنية المتعددة، جون باتيست، على المسرح ويقول: «أريد أن أهدي هذه القطعة الأخيرة لسوليكا». ثم يتوقف عن الكلام للحظات طويلة. يسهل أن نلاحظ العواطف التي ترتسم على وجهه قبل أن يبدو وكأنه يستجمع تلك المشاعر استعداداً لتفريغها عبر يديه حين يبدأ العزف على البيانو. هو يبقي عينيه مغلقتَين أثناء العزف، وكأنه يحاول تفريغ مشاعره في القطعة الفنية التي يعزفها. هذا المشهد يخطف الأنفاس بمعنى الكلمة ويختصر جوهر الفيلم: الفن هو الطريقة الوحيدة التي تسمح باستخراج العواطف البشرية التي نعجز عن التعبير عنها بالكلام.

في اليوم الذي عَلِم فيه جون باتيست بأنه مرشّح لإحدى عشرة جائزة «غرامي»، بما في ذلك جائزة «ألبوم السنة»، سيعرف أيضاً أن شريكته سوليكا جواد أصيبت بالسرطان مجدداً. خلال هذه الفترة الشائكة، كان باتيست يحضّر أعظم عمل فني في مسيرته: إنه المشروع الموسيقي «السمفونية الأميركية» الذي يهدف إلى دمج أجيال من الموسيقى، ويُركّز على مساهمات أصحاب البشرة الملوّنة بما يفوق المعنى الذي تحمله السمفونية تاريخياً. كان التخطيط لتقديم عرض ضخم في «قاعة كارنيغي» تجربة عصيبة أصلاً. لا يمكن تصوّر صعوبة هذه المرحلة بالنسبة إلى باتيست إذاً، حين تتزامن مع مشاهدة أهم امرأة في حياته وهي تعاني من تداعيات العلاج الكيماوي.

رغم الرسائل الإيجابية والمشاهد المؤثرة التي يقدّمها الوثائقي لتبرير عرضه على «نتفلكس»، يسود شكل عام من الحذر مع تقدّم الأحداث في قصة هذا الثنائي واتخاذها منحىً أكثر تشويقاً. لن نشاهد تفاصيل العملية الفنية التي رافقت ابتكار السمفونية أو مشاعر الخوف التي تتزامن مع محاربة السرطان. تلك الأجواء موجودة، لكنها تظهر على شكل مقاطع من التعليقات الصوتية أو لمحات سريعة من اللحظات الحميمة. هاينمان مخرج ذكي جداً، لذا يُفترض أن يكون الحذر الذي يخيّم على الأحداث المنتقاة من حياة هذا الثنائي بقرار منهما.

يشمل جزء كبير من مشاهد باتيست أجواءً فنية طاغية يتّضح أثرها حين ينهار هذا العالم من حوله. يصعب ألا يتأثر المشاهدون بالرؤية التي يحملها باتيست عن الفن وطرق التعبير التي يتطرق إليها في حالات كثيرة. لكن تجمعه لحظات هادئة أيضاً مع جواد، وهي تشكّل الركيزة العاطفية الحقيقية للفيلم. كان يُفترض أن يُركّز العمل على هذا الجانب بدرجة إضافية، فتزيد اللحظات التي تشهد احتدام العواطف داخل باتيست من دون تشغيل موسيقى البيانو للتعبير عن مكنوناته، مع أن المشهد الأكثر تأثيراً من الناحية العاطفية في الفيلم يُظهِر باتيست وهو يجلس وحده وراء البيانـــــــــــــو. في النهاية، يكمن واحد من أقوى جوانب الوثائقي في عبارة تتفوه بها سوليكا بعد المشهد المتناقض الذي يجمع بين أنجح عمل فني في مسيرة جون من جهة وتجدد مرض السرطان لديها من جهة أخرى، فهي تقول: «بكل صراحة، أنا لا أجيد التعامل مع هذا النوع من الحالات المتطرفة». كان يمكن استعمال هذه الفكرة الفرعية بطريقة مباشرة وأكثر تأثيراً. يبدو أن حقبة جائحة كورونا أنتجت حالات متطرفة في حياة الكثيرين، حيث تتزامن لحظات الفرح مع مأساة كبرى.

هكذا هي الحياة! يدرك هاينمان وباتيست وجواد أن جميع الناس يتعاملون مع هذه الحالات الشائكة والمتطرفة، لا سيما في الفترة الأخيرة، وقد صنعوا فيلماً يثبت أن مقولة سوليكا خاطئة. هي تجيد التعامل مع تلك الحالات المتناقضة انطلاقاً من حبّها لشريكها ونزعتها إلى التعبير عن فنّها. يؤكد هذا الفيلم عدم استعمال الفن كأداة للشفاء فحسب، بل إنه أسلوب حياة بحد ذاته. يستطيع كل إنسان أن يكتب سمفونيته بنفسه، لا سيما إذا وجد مصدر الإلهام المناسب.