رواد مسلم

البحر الأحمر... "خط تماس" لا يخدم القضية الفلسطينية

4 دقائق للقراءة
المدمّرة «يو أس أس لابون»

بينما تواصل إسرائيل هجومها البرّي داخل قطاع غزة بهدف القضاء على حركة «حماس»، يكثّف الحوثيون في اليمن هجماتهم على سفن الشحن الدولية وسفن التحالف الدولي في البحر الأحمر وبحر العرب، بحجّة دعمهم جهود الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في غزة. ويشير العدوان البحري إلى أنّ الحوثيين وداعميهم في طهران يسعون إلى تصعيد ضغوطهم ليس فقط ضدّ إسرائيل، ولكن ضدّ الاقتصاد العالمي والتجارة البحرية الدولية.

نفّذ الحوثيون 35 عملاً عدوانيّاً في البحر الأحمر منذ 19 تشرين الأوّل، شملت إطلاق أكثر من 102 صاروخ باليستي وطائرة بلا طيار، فضلاً عن الاستيلاء على سفن بشكل غير قانوني، ومضايقة البحرية الأميركية وسفن قوات التحالف. ولهذه الهجمات تأثير اقتصادي، فبعد عشوائية اختيار الحوثيين الأهداف، بدأت شركات الشحن العالمية تتجنّب الممرّ المائي السريع للبحر الأحمر حيث يمرّ عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، والقيام برحلة أطول وأكثر كلفة حول أفريقيا، ما ينعكس سلباً على عائدات قناة السويس للاقتصاد المصري بعد تراجع وتيرة المرور عبرها، وعلى الاقتصاد العالمي بعد رفع أسعار الشحن.

تعتبر مسألة حماية حرّية الملاحة العالمية عبر الممرّات المائية الدولية، ولا سيّما الممرّات البحرية الرئيسية في الشرق الأوسط، من أولوية اهتمامات الولايات المتحدة كدولة بحرية وحيوية مساهمة في الاقتصاد العالمي. وما يعكس هذه الأهمية، كان المبدأ الأساسي لاستراتيجية الأمن القومي لعام 2022 الذي أكدّ على «عدم السماح للقوى الأجنبية أو الإقليمية بتعريض حرّية الملاحة عبر الممرّات المائية في الشرق الأوسط للخطر».

لذلك، ولحماية الشحن عبر البحر الأحمر وردع العدوان البحري المدعوم من إيران ومواجهته، أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في 18 كانون الأوّل، إنشاء قوة عمل جديدة متعدّدة الجنسيات تحت اسم «عملية حارس الإزدهار»، التي ستعمل ضمن قوّة المهام المشتركة «سي تي أف 153». لكن حتّى الآن، ما زالت إسبانيا، وإيطاليا وفرنسا ترفض خطط وضع أصولها البحرية تحت قيادة البحرية الأميركية، وسوف تنشر فرقاطاتها بشكل أحادي في البحر الأحمر لحماية سفن دولها.

واشترطت تلك الدول أن تكون القوّة المشتركة تابعة للاتحاد الأوروبي أو حلف «الناتو» أو العمل بشكل منفرد في المنطقة، ما يضعها تحت الحماية الدولية، وتلقى كلّ المسؤولية على عاتق الولايات المتحدة إذا هاجمت البحرية الأميركية اليمن في نهاية المطاف. وبالتالي، سيكون بوسع تلك الدول تبرير أنّها لم تُساهم في الحرب، وهذا يترك حتّى الآن الولايات المتحدة مع المملكة المتحدة، النرويج، هولندا، اليونان، كندا وأستراليا كدول لا تزال، رسميّاً، على متن مجموعة «عملية حارس الإزدهار».

أُنشئت قوة المهام المشتركة «سي تي أف 153» في 17 نيسان 2022، وهي إحدى فرق العمل الخمس التي تُديرها القوات البحرية المشتركة (CMF) بقيادة قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية، ومقرّها الرئيسي في المنامة، وتضمّ 39 دولة. وتتمثل مهمّة «سي تي أف 153» في التركيز على الأمن البحري الدولي وبناء القدرات في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وقد كانت تحت قيادة مصرية لمرّة واحدة في العام 2022، أمّا الآن فهي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

حتى الآن، اقتصر الدفاع على الولايات المتحدة وحيدةً ضدّ تصاعد الهجمات المدعومة من إيران. وأثبتت المدمّرة «يو أس أس لابون» التابعة لحاملة الطائرات «دوايت دي أيزنهاور»، قدرتها على اعتراض كافة الصواريخ الباليستية والمسيّرات السبع عشرة التي أطلقها الحوثيون هذا الأسبوع، وذلك بفضل تنوّع الأسلحة التي تحملها، من صواريخ أرض - جو وقذائف متفجّرة من المدفع الرئيسي وأنظمة أسلحة قريبة، فضلاً عن امتلاكها قدرات حرب إلكترونية متقدّمة، يمكنها قطع الروابط بين الطائرات بلا طيار ووحدات التحكّم الخاصة بها على الأرض قبل وصولها إلى السفينة، ما يجنّب المجموعة خطر تدفّقات هائلة من المسيّرات تفوق قدرة الدفاعات على اعتراضها.

يبدو أنّ البحر الأحمر سيكون «خط تماس» جديداً بين الولايات المتحدة وإيران، قد ينزلق إلى مواجهة مباشرة تؤدّي إلى إقحام الشرق الأوسط كلّه في حرب غزة. لذلك يبقى السؤال الأهمّ، إلى أي مدى تزيد هجمات الحوثيين من الضغط الأميركي على نتنياهو لوقف الحرب في غزة، خصوصاً بعد إعلان الولايات المتحدة إنشاء قوة عمل «عملية حارس الإزدهار» ومتابعة الجيش الإسرائيلي الهجوم البري العنيف من دون تحديد جدول زمني قريب؟ وهل للإنعكاسات الاقتصادية السلبية على دول العالم كلّه، ضمناً فلسطين، أي دور في إنهاء الحرب؟