رواد مسلم

الخبرات الأميركية من أسباب سحب الألوية الإسرائيلية

4 دقائق للقراءة
دبّابات إسرائيلية متمركزة على الحدود مع قطاع غزة أمس (أ ف ب)

تمكّن الجيش الإسرائيلي خلال أكثر من شهرين من القتال البرّي من تقطيع غزة إلى ثلاثة أقسام، وحصار مدينة غزة وعزل خان يونس، وإجبار معظم سكان القطاع على النزوح جنوباً ليحتشدوا في رفح حيث الظروف الحياتية صعبة جدّاً، لكنّه لم يتمكّن من تحقيق أي إنجاز عسكري يُساعده على تحقيق الهدف الإستراتيجي الأساسي من الهجوم. فبالرغم من نجاح تقدّمه إلى داخل القطاع بكامله، لم يستطع تحييد قياديي حركة «حماس»، كما أنّه عجز حتى اليوم عن تحرير أي أسير بالوسائل العسكرية والاستخباراتية.

تُشير تقديرات معهد دراسة الحرب الأميركية إلى أنّه من بين 26 إلى 30 كتيبة من «كتائب القسّام» والتي يضمّ كلّ منها 400 إلى 1000 مقاتل، حُيّدت ثلاث فقط منها. ويصل عدد قتلى «حماس» إلى 3500 مقاتل من أصل 18000 عنصر مدرّب قتالياً، مقابل 174 عنصراً إسرائيلياً قتلوا منذ بدء الهجوم البري في 27 تشرين الأوّل، وهذا يعني مقتل 20 مقاتلاً من «حماس» مقابل كلّ جندي إسرائيلي، ما يعتبر في الحروب الكلاسيكية إنتصاراً للجيش الإسرائيلي، لكن هذا لا ينطبق على حرب غزة.

لدى مقاتلي «حماس» دوافع أيديولوجية ودينية، وهم جاهزون دائماً للموت في سبيل قضيّتهم، مقابل مجتمع إسرائيلي أقلّ تسامحاً مع الخسائر البشريّة التي تلحق بشعبه ولا يرى أي نتائج ملموسة لمقتل أبنائه داخل القطاع. فبالرغم من عسكرة كامل المجتمع الإسرائيلي ما عدا بعض المتديّنين، فإنّ التأثير المعنوي والإقتصادي له صدى وبصمة أكبر في المجتمع الإسرائيلي، ما يُبرّر اعتماد الجيش الإسرائيلي في كلّ حروبه على تقليص فترة الحروب الميدانية قدر المستطاع، وتكثيف العمليات الاستخباراتية الخاصة والحرب النفسية والإعلامية والإلكترونية، وإعتماد سياسة الردع في أيام السلم.

على الرغم من إعتبار الجيش الإسرائيلي قائداً عالمياً في مجال التكنولوجيا العسكرية، إلّا أنّ حرب غزة بيّنت نقاط ضعفه في الحروب غير المتناظرة من المسافة القريبة داخل الأماكن المبنيّة، فضلاً عن صعوبة التعامل مع شبكات الأنفاق الإستراتيجية والتكتية المعقّدة، ما إنعكس سلباً على أعداد القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي وبالتالي على معنويات المجتمع، وأدّى إلى إختيار القائد العسكري أسوأ السيناريوات بالتدمير الكلّي بلا إستثناء وبشراسة للإنتقام من سكان غزة، من دون تفريق بين مقاتلين ومدنيين، سعياً إلى تقليص فترة الحرب وتحقيق أي هدف عسكري يرضي المجتمع الداخلي والحلفاء.

هذه الضغوط الخارجية تتزايد على إسرائيل من حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة، للانتقال إلى حرب أقلّ حدّة تؤدّي إلى خسائر أقلّ في صفوف المدنيين، وذلك لجذب داعمين آخرين من الدول الحلفاء لمساندة الجيش الإسرائيلي بعدما أصبحت الولايات المتحدة وحيدة في دعم عمليات إسرائيل الحربية. إن هدف القضاء على قادة «حماس» لا يحتاج إلى تدمير كلّ ما تبقى من أبنية في غزة، وبالتالي لن تستطيع الولايات المتحدة تجنيد العالم لمساعدة إسرائيل في ظلّ الإنتهاكات الفاضحة للقانون الدولي الإنساني.

لذلك، فإنّ سحب إسرائيل 5 ألوية من غزة، منها لواءا الاحتياط 551 و14، إضافة إلى 3 ألوية تدريب، ليس فقط للراحة والتدريب كما أعلن الجيش، وليس لتأمين الحماية للعناصر، إذ إنّ إصراره على متابعة الحرب أقلّه لعام مع إحتمال فتح جبهات أخرى أهمّها الجبهة الشمالية مع «حزب الله»، يتطلّب جهوزية في الشمال.

ويبدو أيضاً أنّ نصائح الولايات المتحدة عن إدارة معركة غزة بشكل يشبه الحرب في العراق وأفغانستان لتقليل الخسائر البشرية، تلاقي تجاوباً من الجانب الإسرائيلي، خصوصاً بعد اللقاءات التي أجراها وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ورئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية المشتركة تشارلز براون، خلال زيارتهما إلى تل أبيب قبل أسبوعين، واجتماعاتهما مع مجلس قيادة الحرب ومع رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، حيث تمّ كذلك تأكيد دعم إسرائيل بمتابعة عملياتها الحربية لتحقيق الأهداف.

يتحضّر الجيش الإسرائيلي للمرحلة الثالثة من الحرب، يعتمد فيها أسلوباً مختلفاً للعمليات، فمجموع الألوية المشاركة في الهجوم البرّي كانت كبيرة وبلغت 17 لواء، أي بما يعادل 5 فرق قتالية ولواءين، أربعة ألوية في القطاع الشمالي، وفي الوسط الفرقة 36 مؤلّفة من ثلاثة ألوية قتالية للسيطرة على المخيّمات، وفي القطاع الجنوبي تشارك 7 ألوية في خان يونس، فضلاً عن وحدة مظليين، ما ينعكس خسائر مادية وبشرية كبيرة. لذلك، يعتبر سحب قوات كبيرة من الجيش من داخل القطاع من أساسيات المرحلة الثالثة، ليتحرّك بها من داخل الأراضي الإسرائيلية نحو أهداف معيّنة، وليس من داخل القطاع حتى لا تصبح هدفاً، فضلاً عن مواجهة حرب الإستنزاف التي تفيد «حماس» وقد تكون طويلة الأمد.