فرانز ستيفان غيدي

أخطاء وافرة عن مفهوم الحرب في فيلم Napoleon للمخرج ريدلي سكوت

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

يدخل فيلم Napoleon للمخرج ريدلي سكوت ضمن سلسلة طويلة من الأفلام، والروايات، وحتى كتب التاريخ التي نشرت نظرة خاطئة بالكامل عن طريقة خوض الحروب وكيفية الفوز بها. إنه عامل مؤثر لأن فكرة الحرب الأسطورية التي يطرحها هذا الفيلم وأعمال كثيرة أخرى أصبحت شائعة في ثقافتنا وخطاباتنا لدرجة أن تبدأ بتوجيه القرارات المرتبطة بالحروب الحقيقية.



بغض النظر عن الاستنتاجات التي تتوصل إليها هذه المؤلفات، تبقى المعركة الحاسمة مجرّد خرافة. لا يتحدد مصير الحروب بين القوى العظمى خلال المعارك الكبرى، بل إنه يتوقف على استنزاف الجنود والعتاد، علماً أن هذا الجانب يتأثر بعوامل مثل حجم القوة، والخدمات اللوجستية، وقدرات الإنتاج، والتكنولوجيا. ترتبط أهمية المعارك، سواء كانت واسعة أو محدودة، بقدرتها على تسريع استنزاف إمكانات الطرف الآخر. مع ذلك، تبقى خرافة المعركة الحاسمة شائعة، ما يعني إمكانية هزم الخصم خلال عملية كبيرة ودموية لكن قصيرة. تُعتبر هذه الفكرة خطيرة لأنها لا تؤثر على رواد السينما العاديين فحسب، بل تنعكس أيضاً على توجهات القادة العسكريين والسياسيين المسؤولين عن إطلاق الحروب وتحديد مسارها.

لا يُعتبر تركيز سكوت على المعارك مفاجئاً بأي شكل. خاض نابليون حملات عدة بلغت ذروتها في معارك كبرى ومدروسة سعى الفريق المهزوم بعدها إلى إرساء السلام. خلال معركة «أوسترليتز»، هزم نابليون الجيوش النمسوية الروسية الحليفة، فأجبر النمسا على الدعوة إلى السلام وجعل روسيا تنسحب وتعود أدراجها. لكن كان أكبر انتصار احتفل به الإمبراطور الفرنسي، منذ 218 سنة على وجه التحديد، مجرّد فصل بسيط من حرب طويلة لم تنتهِ إلا بعد مرور عشر سنوات.

بدأ التركيز على المعارك الحاسمة بقيادة قائد لامع مثل نابليون يسمّم التفكير العسكري الغربي منذ قرون، على اعتبار أن الحروب بين القوى العظمى قد تنتهي خلال فترة قصيرة. كانت الفكرة القائلة إن الخصم يمكن هزمه بشكلٍ حاسم خلال عملية واحدة أو عمليات قليلة كفيلة بتأجيج الرهانات السياسية والعسكرية: يكفي أن نفكّر بخطة «شليفن» الألمانية التي راهنت على محاصرة القوات الفرنسية لمرة واحدة وتوقعت انهيارها أو استسلامها سريعاً في العام 1914. لكن أدت تلك الخطة فعلياً إلى نتيجة كارثية، فجرّت معظم أجزاء أوروبا إلى حرب استنزاف سقط فيها ملايين الجنود طوال أربع سنوات. كذلك، استوحى الزعيم العراقي السابق صدام حسين خطته من مفهوم المعركة السريعة والحاسمة لغزو إيران في العام 1980، ما أدى إلى اندلاع حرب استنزاف دموية مريعة طوال ثماني سنوات.

في الحقبة المعاصرة، افترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن عملية حاسمة واحدة باتجاه كييف، في بداية العام 2022، ستسمح بغزو أوكرانيا بطريقة سريعة وغير مؤلمة. لكن بعد سقوط مئات آلاف القتلى، لا تزال تلك الحرب الطاحنة مستمرة. رغم التركيز المفرط على حملات نابليون السريعة ومعاركه الحاسمة، تشير حروبه إلى قصة مشابهة عن استنزاف طويل ومؤلم: قُتِل أكثر من 5 ملايين جندي أوروبي أو ماتوا بطريقة أخرى خلال حروب نابليون. خسرت فرنسا وحدها حوالى 860 ألف جندي، ومات 38% من جميع الرجال المولودين بين العامين 1790 و1795.

لا يمكن تجاهل تأثير الفيلم لمجرّد أنه عمل ترفيهي. تتعدد الحالات الموثّقة التي تثبت أن الأفلام تؤثر على قرارات خوض الحروب. في العام 1970 مثلاً، شاهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون فيلم Patton مراراً حين كان صانعو القرار يفكرون بتوسيع حرب فيتنام كي تمتد إلى كمبوديا، فاستوحى توجهاته من قوة إرادة الجنرال في الفيلم وقناعته الفردية بتفوّق الجيش الأميركي. تكشف دراسة أكاديمية أيضاً أن الثقافة الشعبية، بما في ذلك الأفلام الخيالية، قد تؤثر على رأينا بمسائل متنوعة، ولا شيء يثبت أن الضباط العسكريين وصانعي القرار لا يتأثرون بالطريقة نفسها. في المقابل، قد تسهم الأفلام في منع الحروب أيضاً. تأثّر الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان بفيلم The Day After (اليوم التالي) وروايةRed Storm Rising (هبوب العاصفة الحمراء) للكاتب توم كلانسي وقرر دعم الحد من التسلح النووي. لكن إذا كان صانعو القرار والقادة العسكريون يميلون إلى خوض حروب من نسج خيالهم، قد تدفعهم الثقافة الشعبية التي توحي بأن الحروب قد تكون قصيرة وحاسمة إلى البحث عن حل عسكري سريع للمشاكل السياسية.

تتعدد النقاط التي يصعب أن يتقبلها المحللون العسكريون في الفيلم. لا علاقة للأحداث المعروضة على الشاشة بطبيعة الحروب في عصر نابليون. تبدو مشاهد المعارك أشبه بخليط هوليوودي من المشاجرات المستوحاة من العصور الوسطى وتحركات جنود المشاة على طريقة الحرب العالمية الأولى.

في أحد المشاهد اللافتة، يظهر نابليون بطريقة مشبوهة وهو يقود سلاح الفرسان نحو منطقة يُفترض أنها تشمل الخطوط الروسية لمعركة «بورودينو». لكن كان نابليون ضابطاً سابقاً في فوج المدفعية، ولم يستلم قيادة سلاح الفرسان يوماً. ورغم تركيز سكوت المفرط على معارك نابليون، إلا أنه لا يبدو مهتماً بأسلوبه في خوض المعارك أو بتغيّر شخصيته خلال الحروب. بحلول العام 1812، لم يتعلّم أعداء نابليون كيفية التكيّف مع الظروف عبر مضاهاة أسلوب القتال الفرنسي فحسب، بل إن المعارك بحد ذاتها تحوّلت إلى مواجهات طاحنة لدرجة أن يعجز الجميع عن التحكم بها. شملت معارك «واغرام» (1809)، و»بورودينو» (1812)، و»لايبزيغ» (1813)، مئات آلاف القوات العسكرية ومئات المدفعيات. تبدو فكرة أن يملك قائد عسكري حرية قيادة سلاح الفرسان، خلال معركة في العام 1812، منافية للعقل لدرجة أن يصبح فيلم Gladiator (المصارع) أكثر واقعية من الناحية التاريخية، مع أنه يُعتبر من أكثر الأفلام الشائبة تاريخياً في العقود الأخيرة.

لم تكن عبقرية نابليون العسكرية تقتصر على بطولاته الفردية أو تكتيكاته المتقنة خلال المعارك، بل إنها تتعلق بشكلٍ أساسي بنظرته إلى الإصلاحات البنيوية. شارك نابليون في إعطاء طابع مؤسسي لمختلف الأفواج، فقسّم الجيوش الكبرى إلى وحدات أصغر حجماً في محاولة منه لتحسين مستوى السيطرة والقيادة وتسريع العمليات وتوسيع نطاقها. كان هذا النظام الجديد يرتكز في المقام الأول على القادة والضباط العسكريين المرموقين الذين اختارهم نابليون ولم يتعرضوا للهزيمة أحياناً في ساحات المعارك، لكنّ مقتلهم أحزن نابليون بشدة. أعطى هذا الأخير صلاحيات واسعة للقادة والضباط الآخرين، فأثبتوا دورهم البارز في تحقيق انتصاراته. لكن ينحصر دور هؤلاء القادة المستقلين والمتنوعين بعدد من جنود المشاة في الفيلم.

لكن لا تقف اختراعات الفيلم الجامحة عند هذا الحد. ثمة تركيز كبير على الجيش البريطاني بقيادة دوق ولنجتون، مع أن دوره كان محدوداً في المعركة. لا يتعلق دور بريطانيا في هزيمة نابليون بمسار القتال بحد ذاته، بل إنه يكمن في الحصار البحري وتمويل جيوش ضخمة من النمسا، وبروسيا، وروسيا، فقد تحمّلت هذه الوحدات أكبر أعباء القتال. كذلك، لم يحصل لقاء شخصي بين الدوق ونابليون يوماً، وهو اختراع آخر كان يمكن حذفه من الفيلم من دون التأثير على الأحداث، إذ يفتقر هذا الجانب من القصة إلى أي حوارات مؤثرة كانت لتساعد المشاهدين على فهم شخصية نابليون المتقلبة والوحشية. كان سكوت يستطيع عرض الجدل المحتدم بين نابليون والدبلوماسي النمسوي، الأمير كليمنس فون مترنيش، خلال لقائهما الشهير الذي امتد على ثماني ساعات في «دريسدن»، التي كانت عاصمة مملكة ساكسونيا، في العام 1813. ذلك اللقاء أقنع مترنيش باضطراب الحالة النفسية للإمبراطور الفرنسي واستحالة عقد السلام طالما يستمر حُكمه.

لا شيء يشير إلى تلاشي الخرافات المتعلقة بمفهوم المعركة الحاسمة في أي وقت قريب. في هذا السياق، كتب المؤرخ كاثال ج. نولان في كتاب The Allure of Battle (جاذبية المعركة): «ستبقى فكرة المعركة الحاسمة أكثر جاذبية من الفوز خلال حروب الاستنزاف، على المستويَين الأخلاقي والجمالي، بالنسبة إلى الجنرالات، وواضعي النظريات، والرأي العام المتعطش لأخبار الحرب». كان نولان يستطيع إضافة مخرجي الأفلام إلى قائمته.

نأمل في أن يمتنع خبراء الاستراتيجيات العسكرية في الولايات المتحدة وحلف الناتو عن استخلاص الاستنتاجات من أفكار سكوت عن معارك نابليون. الوضع سيئ بما يكفي أصلاً لأن جاذبية المعركة الحاسمة بدأت تؤثر على النقاشات الأميركية المرتبطة بكيفية خوض أي حرب مستقبلية محتملة مع الصين بسبب تايوان. قد يواجه الأميركيون وحلفاؤهم كارثة كبرى نتيجة تجاهل تأثير الاستنزاف المحتمل ومدة هذه المعارك المطوّلة، ولا ننسى المتطلبات الضرورية على مستوى العناصر البشرية، والأسلحة، والذخائر، وقدرات الإنتاج، والاستقرار السياسي. لا شك في أن التركيز على حروب الاستنزاف الطويلة بدل عرض الاشتباكات الدراماتيكية كان لينتج فيلماً مملاً، لا سيما عند النظر إلى أوكرانيا حيث تدور نسخة واقعية من حروب الاستنزاف الطويلة. مع ذلك، سيكون تجريد نابليون من الطابع البطولي المرتبط بالمعارك الأسطورية، التي يتحدد مصيرها عبر بطل نموذجي يصل على حصانه، خطوة أولية بسيطة لتحسين طريقة فهمنا للحروب الماضية من جهة وكيفية خوض الحروب المستقبلية من جهة أخرى.