رواد مسلم

الهجمات المسيّرة بين موسكو وكييف لا تُقدّم ميزة عسكرية

5 دقائق للقراءة
جزء من مسيّرة روسية أسقطتها الدفاعات الأوكرانية الأسبوع الماضي (أ ف ب)

تقترب الذكرى الثانية للحرب الروسية - الأوكرانية في ظلّ تصعيدٍ للهجمات الجوية المتبادلة بالمسيّرات الإنتحارية والصواريخ البعيدة المدى، وجمود ميداني مستمرّ منذ تعثّر الهجوم الأوكراني المضادّ الذي إنطلق في حزيران الماضي. إستخدمت موسكو الطائرات المسيّرة على نطاق واسع منذ بدء الغزو في شباط 2022 وبشكل أساسي المسيّرات الإنتحارية الإيرانية الصنع «شاهد 136» أو «جيران 2» (التسمية الروسية). أمّا الجيش الأوكراني، فيستخدم المسيّرات المحلّية الصنع لتوجيه الضربات في الداخل الروسي، ما جعل المصانع العسكرية من أهمّ أهداف الهجمات الجوية، فضلاً عن المسيّرات الغربية لضرب الأراضي المحتلّة.

يعمل الجانبان على زيادة الإنتاج العسكري في مجال المسيّرات بشكل كبير مع استمرار الحرب ووضوح طول أمدها في ظلّ تعدّد الأزمات الدولية وتشتيت التركيز الدولي عن الملف الأوكراني بعد الحرب الإسرائيلية على حركة «حماس» والخوف من تداعياتها. فتعتزم روسيا إنتاج أكثر من 32 ألف مسيّرة سنويّاً بحلول عام 2030، والجيش الأوكراني يهدف إلى استثمار أكثر من مليار دولار لتعزيز إمكاناته القتالية من المسيّرات، وهو بصدد إنتاج أكثر من 11 ألف مسيّرة هجومية متوسطة وبعيدة المدى شهريّاً هذا العام، حيث يُقدّر المعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة أنّ الجيش الأوكراني يخسر 10 آلاف مسيّرة شهريّاً. تعتبر المسيّرات الإنتحارية والمستخدمة للاستطلاع أو إسقاط القنابل الصغيرة لتعطيل الدبابات، فعّالة في الحرب الدائرة، لكنّها ليست أسلحة ذات قيمة استراتيجية، فهي بالرغم من توفيرها دقّة أكبر من المدفعية التقليدية لضرب الأهداف النقطية، ورسم خرائط ساحة المعركة، وتحييد الدبابات لإيقاف التقدّم، وحماية الجنود المهاجمين، فضلاً عن كلفتها البسيطة نسبةً للأسلحة التي يُمكن أن تؤدّي نفس الدور كالمدفعية وصواريخ المقاتلات والمروحيات الهجومية التي تتسبّب في معظم الهجمات بأضرار جانبية، إلّا أنّها لا تُقدّم ميزة عسكرية لأي طرف لتحرير الأراضي أو التقدّم لغزو المزيد.

يبدو أن روسيا تُحاول الحدّ من قدرة أوكرانيا على شنّ هجمات جوية بضرب المصانع الدفاعية. فقد ضربت العديد من المنشآت الدفاعية في الأسبوعين الماضيين، بما في ذلك تلك التي تُصنّع المسيّرات والصواريخ، خصوصاً بعد بروز أوكرانيا كمركز رئيسي لابتكار المسيّرات، حيث أنشأت مشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص لتصميمها وتحويلها من مدنية للإستفادة منها في التطبيقات العسكرية. وبدافع تحقيق أهداف الحرب، لجأت أوكرانيا بالتعاون مع خبراء غربيين إلى بناء أساس قوي لصناعتها بشكل متطوّر جدّاً، حيث يستعدّ قطاع المسيّرات العسكرية الأوكرانية ليُصبح منافساً عالميّاً كبيراً، حيث يقدّم أنظمة اختُبرت قتاليّاً للتصدير.

ومن بين طائرات الاستطلاع المسيّرة المصنّعة في أوكرانيا، تحظى نماذج «شارك» (SHARK) و»ليليكا 100» و»فالكاير» بشعبية كبيرة لدى الجيش، حيث تكمن وظيفتها الأساسية في استكشاف مواقع قوات العدو ومستودعاته، ما يُتيح لكلّ من المدفعية وأنظمة صواريخ «هيمارس» البعيدة المدى استهداف الأهداف وفقاً للإحداثيات الدقيقة التي ترسلها المسيّرات. أمّا بالنسبة إلى الطائرات بلا طيار المتعدّدة المروحيات ذات الإقلاع العمودي والتي يتمّ التحكّم بها من منظور طيار افتراضي على متنها، فيختار الخبراء نماذج «بيغاسوس» (Pegasus) و»بوسيفال» (Bucephal) و»بات» (Bat) و»فامباير» (Vampire)، وهي قادرة على حمل وإسقاط قنابل صغيرة لتعطيل الدبابات بشكل أساسي.

أحد النماذج الأوكرانية التي لا يُعرف عنها سوى القليل هي المسيّرة الإنتحارية «بيفر» (Beaver Kamikaze)، التي تصنعها شركة (UkrJet) الخاصة، ويصل مداها التي يُمكن أن تطيره إلى 1000 كيلومتر. لكن لا توجد معلومات تقنية كاملة متاحة حتى الآن، بينما يؤكد مراقبون استخدامها لضرب أهداف في موسكو، مشيرين إلى أنّها تحمل بين 20 و50 كلغ من المتفجّرات. ونشرت وسائل إعلام روسية صوراً لها بعد استهداف العاصمة. كذلك، تعدّ المسيّرة الإنتحارية «روبوكا» (RUBAKA Kamikaze) مثالاً آخر على الطائرات بلا طيار الهجومية البعيدة المدى التي طوّرتها أوكرانيا، ولا يُعرف سوى القليل عنها أيضاً.

أمّا بالنسبة إلى روسيا التي تعتمد بالمقام الأوّل على حليفتها إيران لتزويدها بالمسيّرات الإنتحارية من طراز «شاهد 136»، فقد بدأت إطلاق أنواع جديدة من المسيّرات الإيرانية بعد تمكّن المضادات الجوية الأوكرانية من إسقاط المسيّرات «شاهد 136» بنسبة تفوق 95 في المئة، فتعتبر «شاهد 238» التي أُسقطت منذ يومين فوق الأراضي الأوكرانية، من أسرع المسيّرات الإنتحارية، إذ تفوق سرعتها 500 كلم في الساعة، وذلك بفضل محرّكها النفّاث الصيني الصنع. وتتمتّع كذلك بقدرة أعلى من «شاهد 136» على مواجهة الحرب الإلكترونية بسبب وجود نطامَي توجيه، الأوّل يعتمد على النظام الروسي لتحديد المواقع الجغرافية (جي أن أس أس) والثاني على التوجّه الذاتي «أي أن أس».