7413

الإصابات

89

الوفيات

2377

المتعافون

إيفون أنور صعيبي

تسديد الودائع سندات يوروبوندز مرفوضٌ... بالنظام

سابين الكيك لـ"نداء الوطن": المودع ليس "كبش" المديونية

29 حزيران 2020

02 : 00

د. سابين الكيك
أثارت القضية التي تناولتها "نداء الوطن" منذ أيام، في المقال بعنوان "بعد تسييل العقارات دولارات... تسديد الودائع سندات"، بلبلة في الأوساط المصرفية كما ولدى المودعين الذين يجهلون تماماً ماهيّة البنود التي وقّعوا عليها في عقودهم مع "المصارف"، خصوصاً تلك التي حاولت نقل مخاطر سندات "اليوروبوندز" الى زبائنها من دون أي توضيح للآلية او للأسباب، بل "وفقاً لخيار البنك واستنسابه المطلق"، كما جاء في العقود.



في هذه المقابلة مع "نداء الوطن" تفنّد الأستاذة الجامعية والباحثة في القوانين المصرفية والمالية د. سابين الكيك حقوق المودعين، وسُبل حمايتهم قانوناً من أي انتهاك يطال ما تبقى لديهم من ودائع ولو دفترياً، معتبرةً أنّ بداية تصحيح الخلل تكون من خلال استحصال كل عميل على نسخ لكافة العقود المبرمة مع مصرفه. وفيما يلي نص الحوار:

يجهل المودعون ماهية العقود الموقعة مع المصارف والغالبية العظمى من العملاء لا تحوز على نسخة منها، هل صحيح أن المشرّع ترك المودع خالي اليدين وعاجزاً قانوناً؟

النظام القانوني اللبناني يتضمن الحماية المدنية الكافية والوافية للمودعين، لأنهم الطرف الضعيف والمذعن في العقد المصرفي للطرف القوي، المتمثل بالبنوك مدعومة من جمعية المصارف. إلاّ أنه يمكن وبوضوح رصد مفارقتين في المشهد الواقعي اللبناني، غيّرتا المعالم القانونية لهذه الصناعة المصرفية.المفارقة الاولى تكمن في التسويق المستمر لعبارة "حماية القطاع المصرفي" نهجاً تغلغل إلى أعماق الرأي العام، مفاده أن المسار القانوني والقضائي سينصب حتماً لمصلحة لوبي المصارف فيما الحقيقة التشريعية مختلفة تماماً. إن المقصود قانوناً بالحماية، هو تحصين القطاع للحفاظ عليه سليماً ومعافى صوناً لحقوق المودعين ولدرء مخاطر التعثر المالي. يتصف النظام المصرفي اللبناني بأنه يتمتع بنزعة وقائية تقي خطر السقوط المدوّي وترتب العلاقات المصرفية مع الزبائن بقدرعالٍ من الدقة والوضوح. وفي المقابل، مفارقة لا تقل تجذّراً عن سابقتها، تظهر بسلوك المودع اللبناني الذي وصل أحياناً، حدّ الإهمال وعدم التبصر. إذ أولى المودع، المقيم والمنتشر، المصرفيين وليس المصارف، الثقة المطلقة وغير المقيّدة بشرط وجاءت الصدمة الكبيرة، عند بدء الأزمة الحالية حيث انهارت هذه الثقة المفرطة وغير المبنية في طبيعتها على المعايير القانونية والعلمية. اليوم، لا بد من اعادة العلاقات المصرفية إلى الملاذ القانوني والقضائي، بعد فقدان الثقة التي لامست الكيان المالي للمؤسسات المصرفية المهددة وجودياً.

بداية تصحيح الخلل تكون من خلال استحصال كل عميل على نسخ لكافة العقود المبرمة مع المصارف، استناداً لقانون حماية المستهلك وأيضاً على كشوفات حسابات كاملة مصدقة من المصرف المعني. وفي حال امتناع هذا الاخير عن تسليمه إياها، يمكنه اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة لاستصدار قرار يلزم المصرف بالتسليم.

كيف يمكن للمودع بعد استحصاله على نسخ عن العقود الموقعة مع المصرف التأكد من قانونية بنودها وما مدى إلزاميتها للفريقين؟

تلزم العلاقة التعاقدية المصرفية أطرافها طالما لم يشُبها أي عيب عند إبرامها. أما عند عدم اختلال مرحلة ابرام العقد بعيوب قانونية، كالخداع او الغلط او الاكراه المادي والمعنوي، تصبح كافة بنوده، موجبات ملقاة على عاتق الفرقاء. وفي هذا السياق، من المهم بمكان أن نؤكد أن توقيع العميل أو المودع على العقد المتضمن بنداً مخالفاً للنظام العام أو للقواعد القانونية الملزمة لا يجعلها صحيحة، لكونها باطلة بطلاناً مطلقاً وغير قابلة للتأييد. ومن البنود التي تعدّ باطلة بطلاناً مطلقاً، البنود التعسفية النافية للمسؤولية أو تلك المؤدية إلى الاخلال بالتوازن العقدي منذ نشأته، إذ يعزز موقع المحترف على مصلحة المستهلك. والاتجاهات الحديثة في المسؤولية المصرفية تخضع العقود للقواعد المدنية العادية ولكن بعد تكييفها في دائرة المسؤولية المهنية أي مسؤولية المحترفين، وتبنّت المحاكم مقاربة نشاط البنك بوصفه محترفاً في مجاله، وتمسك الإجتهاد بمعيارٍ مشدد لمساءلته. ولا تتوقع المحكمة من المصرفي عناية الشخص العادي المتبصر لا بل عناية الرجل المؤهل مهنياً وسلوكياً، والملتزم بضمان العناية التامة للمصلحة الائتمانية العامة التي يمارسها احتكاراً في ظروف اقتصادية متشعبة لا غنى للناس عنها، وتحولت العقود المصرفية حاجة لا مفر، من الوقوع تحت وطأة تعدد عملياتها وتقنياتها وظروفها وتتابع تنفيذها.

هل يمكن اعتبار الحسابات منتجاً مصرفياً مرتبطاً ومعلقاً بالمخاطر المصرفية؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد أن نشير إلى اخفاق المؤسسات المالية الدولية وعجزها عن منع اندلاع الأزمات المصرفية او حتى توقع حدوثها. وكان افلاس صندوق ادارة رؤوس الأموال الطويلة الأجل (LTCM) كأحد أعرق الصناديق الاستثمارية في نيويورك، أحدث صدمة هائلة في أروقة المؤسسات الدولية. وعلى أثرها انتشرت حالة من الذعر المالي في اسواق البورصة نتيجة المفارقة الزمنية لهذا السقوط المدوي، بعد عام واحد فقط من حصول مؤسسيه SCHOLES و MERTON على جائزة نوبل للإقتصاد عن تصميم نماذج رياضية، تسمح بالتحوط التام من مخاطر الأسواق المالية. وفي المقابل، أكدت الابحاث أن الأزمة لم تكن مفاجئة بتوقيتها، وأن معالمها بدأت مع انهيار نحو 60 شركة للرهن العقاري في الولايات المتحدة العام 2006، التي أثبتت تورط إدارات بعض المصارف في منح القروض والرهون من غير ضمانات قانونية بهدف حصد مكافآت وعمولات بملايين الدولارات. وإزاء واقع الصناعة المصرفية اللبنانية المحفوفة بمخاطر المديونية العالية والمتقلبة، مرفوضٌ حتماً تحميل المودع مخاطر المديونية العالية وانهيار بعض الكيانات المصرفية، نتيجة طمع النافذين والاداريين في هذا القطاع. وأكثر بعد، إن القرارات القضائية في أدراج المحاكم اللبنانية والفرنسية تتبنى بوضوح نظرية الخطأ المفترض عند بحث المسؤولية المصرفية، أي قلب عبء إثبات الخطأ عن كاهل الزبون.

هل تختلف انواع الودائع لناحية حق أصحابها في استعادة الاموال؟ وما هي عقود الـ credit link deposit؟

الاعمال المصرفية هي اتفاقيات ذات طابع إذعاني خاص، إذ وعلى الرغم من خضوع العميل إلى عقود نموذجية تجعله غير قادر على تعديل شروطها، وغالباً ما تسوّق دعائياً كمنتج استهلاكي معدّ للعموم، إلا أنّ عملية تكييف العقد في مضمونه وظروفه يختلف بحسب الحالة ودوافع الزبون الاقتصادية عن العقد المصرفي. وحتى في الأنواع المتشابهة من حسابات الودائع، تعميم نموذج موحّد لا ينفي حتمية تكييف كل عقد على حدة. الـ credit link deposit أو عقد إيداع وديعة مرتبطة بسندات الخزينة هو أحدث الابتكارات النموذجية لتجديد عقد وآجال وديعة سابقة، كانت تتضمن أصلاً بنداً تعسفياً تحتفظ فيه المصارف بسلطة مطلقة لتسديد المبالغ بالوسيلة التي ترتئيها. هذه النماذج الجديدة باطلة لأنها تلزم المودع بتجديد وتعديل العقد تحت الإكراه المعنوي والاقتصادي ما يجعل رضاه معيوباً والعقد قابلاً للابطال. فبعد أن احتجزت أموال المواطنين بقيود تعسفية وغير دستورية، تقوم المصارف بفرض سطوتها المالية والاقتصادية لترهيب وترغيب المدخرين، مستغلة الأحوال المعيشية أسوأ استغلال عبر إغرائهم بتحويل 25% منها إلى حسابات جارية خاضعة للكابيتال كونترول وتسديد 75% المتبقية بموجب سندات اليوروبوندز. وبعد ان حققت لها هذه السندات أرباحاً خيالية تتسلط اليوم لتحميل العميل الخسائر الناتجة عنها غداة اعلان الدولة توقفها عن التسديد، وسعيها لإعادة هيكلتها واقتطاع جزء منها.

هل تعتبر اليوروبوندز وسيلة تسدد بموجبها المصارف التزاماتها تجاه المودعين، وهل من المتوقع أن تتضمن تسديد الودائع باليوروبوندز ضمن خطة الحكومة لتقليص الخسائر على اصحاب المصارف؟

أي إجراء من قبل المصارف، او من قبل السلطة يقضي بتسديد الودائع بموجب سندات يوروبوندز مصدرة من قبل الدولة اللبنانية هو مخالف لأسس النظام العام النقدي. إن ‏وسائل الدفع والايفاء محددة حصراً بالقانون اللبناني وهي موضوعة لتنظيم علاقات الناس بين بعضهم البعض بصورة واضحة وثابتة ومستقرة، وتعتبر الركيزة الأساسية للنظام النقدي، وهذا الاجراء، إذا وقع، لا يؤدي إلى إبراء ذمة المصارف تجاه المودعين، لأن وسائل الابراء او المقاصة قانوناً تستوجب:

- قطعية الإئتمان النهائية، أي عدم إمكانية رجوع المدين عن دفعها أو تحميل مخاطر زوالها إلى الدائن.

- مساواة القيمة المستوجبة على المدين، أي أن تكون محددة المقدار سلفاً، جدية، وذات قيمة فعلية.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.