مسلسل صيني جديد يحيي الاهتمام بثقافة مدينة شنغهاي ولهجتها (زاوية)

5 دقائق للقراءة

ولّد مسلسل "بلوسومز شنغهاي" Blossoms Shanghai ("أزهار شنغهاي") الصيني للمخرج المتحدر من هونغ كونغ وونغ كار-واي والذي تدور أحداثه في مدينة شنغهاي في تسعينيات القرن المنصرم، حالة من الحنين إلى ماضي المدينة ولهجتها التي بدأت تختفي.

مع هذا المسلسل الذي طال انتظاره، يدخل وونغ كار-واي عالم الشاشة الصغيرة ليروي قصة نجاح شخص عادي أصبح قطب أعمال في خضمّ الانفتاح الاقتصادي للصين.

وتسرق لهجة شنغهاي البطولة من النجمَين الصينيَين بطلَي المسلسل هو جي وما ييلي، وهي لهجة محلية كانت تشكّل في الماضي علامة فارقة بين السكان المحليين والأجانب في هذا المركز التجاري والمالي الصيني.

رغم أن نحو 14 مليون شخص تقريباً لا يزالون ينطقون بها، اختفت لهجة شنغهاي إلى حد كبير من الاستخدام اليومي والمهني، بعد عقود من الجهود التي بذلتها الحكومة في سبيل نشر لغة الماندرين.

في معرض مخصص للمسلسل أمام فندق "بيس هوتيل" Peace Hotel في شنغهاي، تقول شيي نيون (22 عاماً) لوكالة فرانس برس "أحيت مشاهدتي (للمسلسل) فيّ مشاعر الأُلفة وشعرتُ بسعادة كبيرة لأننا نحن سكان شنغهاي أصبح لدينا مسلسلنا التلفزيوني الخاص".

وتُعدّ لغة الماندرين لغة الصين الرسمية، لكن سكان البلاد البالغ عددهم 1,4 مليار شخص ينطقون كذلك بعشرات اللهجات المحلية الأخرى تعتبرها بكين بشكل رسمي لهجات، غير أن بعض الخبراء اللغوين يعتبرونها لغات قائمة بذاتها.

وأحدث مسلسل "بلوسومز شنغهاي" الذي بدأ بثه الشهر الماضي، ضجة كبيرة، إذ يمكن مشاهدته بلغة الماندرين وبلغة شنغهاي.

على شبكات التواصل الاجتماعي، تنتشر مقاطع فيديو حول تعابير بلغة شنغهاي ومنشورات حول دقّة المصطلحات المستخدمة في المسلسل.

وتُذكّر هذه الضجة بتلك التي أحدثها الفيلم الرومانسي الكوميدي "بي فور بيزي" B for Busy الذي صدر في العام 2021 وتضمّن أحاديث بلغة شنغهاي.

لكن شهرة المخرج وونغ كار-واي والممثلين في مسلسله أدّت إلى تضخيم هذه الظاهرة مع "بلوسومز شنغهاي".

يتدفّق المعجبون بالمسلسل إلى مواقع التصوير بوسط شنغهاي وإلى فندق "بيس هوتيل" وإلى مسرح "كاثاي" المصمم على طراز الفن الزخرفي (آرت ديكو). 

في كلّ أرجاء المدينة، تحاول المطاعم بقوائمها أن تستفيد من شعبية المسلسل لتقديم أطباق شبيهة بما يتضمنه المسلسل، فيما تُظهر بيانات مواقع التوصيل إقبالاً كبيراً على شراء الأطباق المقدّمة في المسلسل.

وتقول الثلاثينية دوان المقيمة في شنغهاي، في حديث مع وكالة فرانس برس إنها شعرت خلال مشاهدتها المسلسل "أنها تعيش الأيام السعيدة التي عاشها أهلنا حين كانوا في مثل سنّنا".

وتوضح أنها بحاجة إلى ترجمة لتتمكن من فهم الحوارات، لكنها تفضّل رغم ذلك مشاهدة النسخة بلغة شنغهاي لأن "النسخة بالماندرين ليس لها النكهة نفسها تماماً".

- "أزمة تراث" -

لكن إعادة استخدام لغة شنغهاي تستوجب جهوداً أكبر من مجرّد بث مسلسل تلفزيوني، خصوصاً في ظلّ اعتبار الحزب الشيوعي الحاكم لغة الماندرين أداة توحيد لتعزيز قيمه السياسية وأيديولوجيته ويسعى إلى كبح جماح اللهجات المحلية.

وتثير هذه السياسة احتجاجات في مقاطعة غوانغدونغ بجنوب الصين وصولاً إلى منغوليا الداخلية (شمال)، فيما تقول منظمات حقوقية إن لغة الأويغور في شينجيانغ بدأ استبدالها تدريجياً بالماندرين.

حتى لو أن اللهجات المحلية ليست محظورة بالكامل، تُستخدم لغة الماندرين بشكل أساسي في المدارس والأعمال والاتصالات الرسمية ولها الأسبقية على اللغات المحلية خصوصاً بين الشباب.

ويقول الخبير اللغوي تشيان نايرونغ إن الحكومة التي أصدرت قراراً في العام 1992 في شنغهاي منعت بموجبه استخدام اللهجة المحلية في المدارس تسبب بـ"أزمة تراث".

أصبحت بالتالي الماندرين اللغة الأساسية في المدينة رغم الجهود الأخيرة لإعادة تقديم اللغة المحلية في إعلانات وسائل النقل العام والأنشطة خارج المنهج الدراسي.

في مدرسة صغيرة للغات، يقدّم جاسون وانغ مع حفنة من المعلّمين دروساً في لغة شنغهاي لطلّاب غالبيتهم من الأجانب.

ويقول إن نقص الكتب المدرسية الحديثة لتعليم لغة شنغهاي يشكّل مشكلة، وكذلك عدم وجود طريقة موحدة لكتابة أصوات أحرف لغة شنغهاي.

يأمل جاسون وانغ في أن تُستخدم لغة شنغهاي أكثر في الأفلام والموسيقى، خصوصاً بعدما دفعت الشعبية الكبيرة لثقافة هونغ كونغ بالبعض إلى "تعلّم اللغة الكانتونية لأنهم أحبوا الموسيقى الكانتونية كثيراً".

في شوارع شنغهاي، تقول يو الستينية إنها متفائلة بشأن العودة التدريجية إلى اللهجة المحلية، موضحة "إنها ثقافة متجذرة في شنغهاي ولا يجب أن تضيع".

تجكس-لغو/كبج/جك

Agence France-Presse ©