جاك ديتش

البنتاغون يُحاول إعادة بناء ترسانة الديموقراطية

18 كانون الثاني 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

مبنى البنتاغون في أرلينغتون، فيرجينيا

إذا أراد الرئيس الأميركي جو بايدن تقييم ترسانة الديموقراطية، يكفي أن ينظر إلى الجدار في مكتب رئيس عمليات الاستحواذ في وزارة الدفاع الأميركية، بيل لابلانت، في البنتاغون، فهو مغطى بمخططات الإنتاج الخاصة بجميع الأسلحة التي تُصنّعها الولايات المتحدة لتجنب حرب محتملة مع الصين، تزامناً مع مساعدة بلدان مثل أوكرانيا وإسرائيل على خوض حروب خاصة بهما. لكن رغم ازدهار هذا القطاع، يواجه المسؤولون في وزارة الدفاع مشكلة معقدة. كيف يمكن أن يستعمل البنتاغون الصناعة الدفاعية الأميركية للتعامل مع صراعات محدودة أو ثلاث حروب محتملة؟

يحاول المسؤولون حتى الآن تحديد العدد المناسب من جميع أنواع الأسلحة في مخططات لابلانت. لكنّ مظاهر الحرب تزيد صعوبة هذا النوع من الخطط. لم يتوقع أحد أن تستنزف الحرب في أوكرانيا آلاف القذائف المدفعية يومياً، على مر سنوات متلاحقة. ولم يفترض الكثيرون أن تستنزف حرب إسرائيل ضد حركة «حماس» في قطاع غزة الذخائر دقيقة التوجيه خلال أشهر معدودة. وإذا خاضت الولايات المتحدة الحرب مع الصين بسبب مضيق تايوان، تكشف إحدى الدراسات أنها قد تفتقر إلى الذخائر الدقيقة وطويلة المدى خلال أسبوع.

تسعى واشنطن في الوقت الراهن إلى استئناف الإنتاج بعد ثلاثة عقود على تخفيضه غداة الحرب الباردة، ما أدى إلى تباطؤ دمج الشركات وعمل خطوط الإنتاج. يقول لابلانت إن البنتاغون بنى منشأة في تكساس لإنتاج الكميات اللازمة من القذائف المدفعية بعيار 155 ملم. كذلك، بدأت شركة «بوينغ» تزيد قدرتها على تصنيع أجهزة استشعار لصواريخ «باتريوت» في منشأتها في مدينة «هانتسفيل»، ألاباما، بنسبة الثلث تقريباً.

تعني تقوية هذه الصناعات أن البنتاغون سيحتاج إلى إعادة بناء قوته البيروقراطية التي ضعفت لفترة طويلة. طلب لابلانت إنشاء «خلية إنتاج مشتركة» داخل البنتاغون، على أن تشمل مسؤولين دفاعيين يزورون منشآت الإنتاج. لا يقتصر الهدف الأساسي على جمع العلماء والأموال، بل يرتبط أيضاً بإنشاء مصانع مليئة بمجموعة بارعة من جامعي القطع ورؤساء العمال.

لكن تبرز مشكلة أكثر تعقيداً: يختلف تجميع القذائف والصواريخ عن تجميع معدات متطورة مثل قاذفة القنابل «بي 21 ريدر» التي تكلّف حوالى 750 مليون دولار في كلّ طائرة، علماً أن خط إنتاجها يتوزع بين ثلاث ولايات أميركية. يُعتبر بناء الطائرات معقداً لدرجة أن يقارنه المسؤولون الأميركيون بعملية بناء نظام الطرقات السريعة بين الولايات على مر أربعة عقود.

يحتاج جزء من الأسلحة إلى التمويل حتى الآن. سبق ووافق الكونغرس على تمويل صواريخ «أس أم 6» ونظام إطلاق الصواريخ المتعددة والموجّهة. تحتاج مشاريع أخرى، مثل خطة البنتاغون لبلوغ 100 ألف قطعة من المدفعيات بعيار 155 ملم بحلول العام 2025، إلى موافقة الكونغرس لتمرير موازنة إضافية. في أنحاء منطقة الأطلسي، تأخر الاتحاد الأوروبي في تحقيق هدفه المرتبط بإنتاج مليون قذيفة مدفعية سنوياً لإرضاء تعطّش أوكرانيا المفرط للذخائر تزامناً مع إعادة ملء مخازن حلف الناتو.

لكن عندما يجتمع لابلانت ومسؤولون آخرون من البنتاغون مع ممثلي الصناعة وأعضاء من الكونغرس لمناقشة خططهم، هم يواجهون سؤالَين أساسيَين عن الحشد العسكري الصناعي في الولايات المتحدة: هل ستتوقف هذه العمليات، لا سيما في ظل تردد الكونغرس في تقديم مساعدات عسكرية أميركية إضافية إلى أوكرانيا، وتايوان، وإسرائيل؟ وحتى لو استمرت تلك العمليات، هل ستكون خططهم كافية؟

في ما يخص وضع القذائف في البراميل، ضاعفت القاعدة الصناعية الأميركية إنتاج الذخائر بعيار 155 ملم منذ كانون الأول 2022، فزادت من 14 ألف قذيفة في الشهر إلى عدد يتراوح بين 28 و30 ألف قذيفة، بحسب قول لابلانت. يأمل المسؤولون في الجيش الأميركي في بلوغ 60 ألف قذيفة شهرياً بحلول أيلول 2024، قبل الوصول إلى 100 ألف قذيفة شهرياً في نهاية العام 2025.

خصّص البنتاغون حوالى 3 مليارات دولار لتعزيز مستوى الإنتاج حتى الآن، أي ما يساوي سعر أربع قاذفات من نوع «بي 21». ينتشر هذا النوع من المشاريع في خمس ولايات أميركية وثلاثة بلدان.

يُنتج الاتحاد الأوروبي من جهته بين 600 و700 ألف قذيفة مدفعية سنوياً، وهو ما صرّح به وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور أمام الصحافيين في شهر تشرين الثاني، ويُعتبر هذا العدد أقل بكثير من الهدف الذي يطمح إليه الاتحاد المؤلف من 27 عضواً، فهو يسعى إلى إنتاج مليون قذيفة من هذا النوع ويأمل في بلوغ هدفه بحلول السنة المقبلة. لدعم أوكرانيا والاستفادة من المخزونات الأوروبية، يُفترض أن يبلغ الإنتاج الأوروبي حوالى 3 ملايين قذيفة سنوياً خلال السنوات العشر المقبلة برأي بيفكور.

لكنّ تعطش أوكرانيا إلى الذخائر المدفعية يبدو مفرطاً، فهي احتاجت إلى حوالى 6 آلاف قذيفة يومياً حين بلغ القتال ذروته السنة الفائتة، وبدأ النقص في المساعدات العسكرية الأميركية يدفع القوات الأوكرانية منذ الآن إلى الامتناع عن إطلاق النار بوتيرة مكثفة على خطوط المواجهة. يعترف المسؤولون الغربيون بصعوبة توسيع هذه الترسانة، لكن سيكون الألم المرافق لخسارة الحرب أسوأ بكثير.

في هذا السياق، يقول وزير الدفاع السويدي، بال جونسون، في مقابلة مع صحيفة «فورين بوليسي»: يقضي الخيار الوحيد بتقديم أداء يفوق التوقعات في هذا المجال».

في ما يخص «القنابل الذكية»، أي الأسلحة المزوّدة بمعدات توجيهية تعمل بنظام تحديد المواقع، يبدو الوضع أكثر خطورة بعد. سمحت الولايات المتحدة لإسرائيل بمداهمة مخازن الذخائر الدقيقة في المنطقة، لكن شمل أكثر من نصف الأسلحة جو – أرض المتّجهة نحو قطاع غزة بدءاً من تشرين الأول «قنابل غبية» غير مُوجّهة، وفق تقارير استخباراتية أميركية.

لكن لا تراعي هذه المعطيات كلها الأسلحة اللازمة لخوض الحرب المقبلة: السفن، والغواصات، والصواريخ المنطلقة من البحر، والدفاعات الساحلية. بذلت الصين قصارى جهدها في هذا المجال من دون أن تُقدِم على غزو تايوان، مع أنها تعهدت باتخاذ هذه الخطوة في مرحلة قريبة. خلال أي معركة بحرية، ستكون أحواض بناء السفن مهمة بقدر هياكل السفن في المياه أو أكثر أهمية منها أحياناً، وتنتشر الولايات المتحدة على الشواطئ في تلك المنطقة. في ما يخص المجالات التي تبرع فيها الولايات المتحدة، بما في ذلك بناء غواصات نووية متطورة وتشغيلها، يتخذ هذا الجانب طابعاً حِرَفياً وتقنياً. في غضون ذلك، بدأت بقية جوانب البحرية الأميركية تنكمش مقابل توسّع البحرية الصينية.

يجب أن تستعين الولايات المتحدة بمصادر خارجية لشراء معداتها الدفاعية، كما تفعل معظم البلدان، ما يشير إلى صحوة قوية بعد حقبة الحرب الباردة بفترة طويلة. يستطيع عدد من دول الناتو التي تبقي جزءاً أساسياً من صناعتها الدفاعية بيد الدولة أكثر من معظم الدول الأعضاء الأخرى، منها بولندا، أن توسّع خطوط الإنتاج عبر زيادة الإنفاق العام.

يبدو أن الولايات المتحدة ستكتفي بتمنّي حصول الأفضل، إذ تشير استراتيجية البنتاغون الصناعية التي يُفترض أن تصدر قريباً إلى عجز الشركات الدفاعية عن تلبية حاجات الجيش الأميركي بسرعة كافية لخوض أي حرب معاصرة.

تقول هايدي شو التي تشرف على استراتيجية التكنولوجيا في البنتاغون: «لن يكون تعزيز الإنتاج أشبه بكبسة سحرية، حيث نستطيع تشغيل زر بسيط لزيادة الإنتاج بعشرة أضعاف فجأةً. لا يمكن القيام بذلك. يصبح كل بلد في مرحلة تعزيز الإنتاج إذا كان يملك القدرة اللازمة على فعل ذلك».

على صعيد آخر، تواجه وزارة الدفاع الأميركية مشكلات مختلفة على مستويات أخرى. ما من منصات اختبار كافية مثلاً لأنظمة التسلّح الجديدة، ويفتقر القطاع أيضاً إلى عدد كافٍ من المبرمجين البارعين لصياغة رموز فاعلة. كذلك، لا وجود لمعدات بسيطة وكافية لدعم سلسلة الإمدادات الأميركية وتزويد جميع الأسلحة الأوكرانية بما تحتاج إليه، من دون أن نذكر حاجات الحلفاء الآخرين. بدأت أوروبا تشعر بالضغوط نفسها.

يبدو شركاء واشنطن اليوم أكثر ابتكاراً من أي وقت مضى، نظراً إلى غياب الدعم الاحتياطي الذي يحتاجون إليه. أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مثلاً أنه يهدف إلى تصنيع مليون طائرة مسيّرة تمهيداً لإنتاج طائرات انتحارية قادرة على استهداف القوات الروسية وراء خطوط المواجهة بضربة واحدة. هم يبنون دفاعات جوية مرتجلة عبر استعمال ذخائر بالية من الحقبة السوفياتية. في غضون ذلك، لا تزال تايوان عالقة في صفقة بقيمة مليار دولار لشراء الأسلحة الأميركية، لذا بدأت بصيانة طائرات «أف 16» بنفسها.

لكن لن تسمح هذه الخطوات باسترجاع ترسانة الديموقراطية التي تفتقر رفوفها اليوم إلى إعادة التخزين بالوتيرة التي اعتادت عليها سابقاً.