ناتالي سوغون

غابرييل أتال سيبقى في ظلّ ماكرون

23 كانون الثاني 2024

المصدر: Le Monde

02 : 00

إيمانويل ماكرون في قاعة الاحتفالات في قصر الإليزيه | فرنسا، الثلثاء 16 كانون الثاني ٢٠٢٤

لم تكن المنصة التي وقف عليها إيمانويل ماكرون، يوم الثلثاء في 16 كانون الثاني، في قاعة الاحتفالات في قصر الإليزيه، تحمل رموز «التجمّع الوطني». ولم يكن المكتب الأبيض المزيّن بألوان العلم الثلاثة يضاهي بفخامته تلك الرموز التي تحمل طابعاً مزدوجاً وتمثّل التاريخ والشعبية في آن. كان الخطاب الذي ألقاه الرئيس طوال ساعتين وعشرين دقيقة يهدف إلى الكشف عن معنى تحركاته الأخيرة، لكنه بدا مشابهاً للخطابات التي يلقيها رؤساء الحكومات حين يستلمون منصبهم ويريدون الكشف عن توجهاتهم الكبرى أمام الرأي العام. يقول رئيس كتلة الوسطيين في مجلس الشيوخ الفرنسي هيرفي مارساي بأسلوب ساخر: «كان يُفترض أن يتم الإعلان عن السياسة العامة في مساء يوم الثلثاء»!

أراد رئيس الدولة استعمال ذلك المنبر، في يوم الثلثاء، لتحديد وجهة ولايته الممتدة على خمس سنوات، بينما يتولى رئيس حكومته الجديد «تفصيل خطواته وطرح برنامج عمله». هو شدّد على قطاعَي التعليم والصحة، وكأنه يقود نظاماً مَلَكياً، لكنّه كلّف حكومته بالتكلم عن ارتفاع كلفة الكهرباء المتوقعة قريباً. وفي تعليق نادر على آخر المستجدات، يقول «المتمرّدان» فرانسوا روفان ورئيس كتلة «الجمهوريين» في البرلمان أوليفييه مارلي: «هو وزير كلّ شيء، لكنّه ليس رئيس أحد».

إتفاق حول الخطوط العريضة

أصبح ماكرون حاضراً في كل مكان وهو لا يكف عن إعطاء التوجيهات منذ أن عيّن غابرييل أتال في 9 كانون الثاني، كرئيس للحكومة. يوم الأربعاء الماضي، تكلّم الرئيس عن الاقتصاد منذ انعقاد منتدى دافوس في سويسرا. ثمّ ظهر يوم الخميس إلى جانب رشيدة داتي في مركز «أتولييه ميديسي» في «كليشي سو بوا» و»مونت فيرماي»، في إقليم «سان سانت دينيس»، قبل أن يلقي خطاباً يُعبّر فيه عن أمنياته أمام الجيش يوم الجمعة في «شيربورغ»، إقليم «المانش».

هذا الحضور الطاغي لا يترك مساحة كافية لغابرييل أتال ولا يسمح له باتخاذ أولى خطواته في منصبه الجديد. تأجّل إعلان سياسته العامة من 23 إلى 30 كانون الثاني «بسبب المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس يوم الثلثاء»، كما قال مستشار الرئيس بنفسه. هذا التأجيل يؤخّر ظهور رئيس الحكومة الجديد على الساحة السياسية، علماً أنه كان قد وعد «بالعمل ولا شيء غير العمل» خلال نشرة الأخبار المتلفزة على قناة «تي أف 1» في 11 كانون الثاني. كان يُفترض أن يشهد هذا الشهر «لقاءً مع الأمّة»، لكنه اقتصر في نهاية المطاف على مجموعة من التعديلات والتأجيلات.

تؤكد أوساط أتال على اتفاق رئيس البلاد ورئيس الحكومة حول الخطوط العريضة والأولويات والنهج المعتمد، مع التشديد على تمضية رئيسَي السلطة التنفيذية وقتاً مشتركاً طويلاً منذ عشرة أيام، ما سمح لهما باتخاذ قرارات حول بعض المسائل العالقة. لن يطلب المسؤول الجديد في قصر «ماتينيون» إجراء تصويت لنيل الثقة في البرلمان بعد إعلان سياسته العامة، مثلما امتنعت رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بورن عن هذه الخطوة في تموز 2022، علماً أنها لم تحصل مثله على غالبية مطلقة من الأصوات.

يبرّر محيطه هذه الخطوة قائلاً: «هو يأخذ شرعيته من الثقة التي نالها من الرئيس، والاستقبال الذي حظي به من حزب «النهضة»، ومن شعبيته الخاصة».

لكن ما هي المساحة التي ينوي ماكرون تركها للمسؤول الذي اختاره لتنفيذ «مشروع إعادة التسلح والتجدّد»؟ كان الرئيس فرانسوا هولاند قد طلب من مانويل فالس أن يختار مساره حين عيّنه رئيساً للحكومة في العام 2014، ويقول رئيس كتلة أعضاء مجلس الشيوخ التابعين لماكرون فرانسوا باتريا، إن الرئيس «يتوقع من غابرييل أن يختار مساره الخاص، لكن انطلاقاً من خارطة الطريق التي وضعها ماكرون». كذلك، يتكلّم مستشار ماكرون عن ضرورة أن «يطبّق خارطة طريق الرئيس، تزامناً مع وضع بصمته الخاصة. هو سيحصل على كامل الحرية للتحرك». لا يمكن أن يوحي الوضع بأن رئيس الحكومة سيكون تحت وصاية قصر الإليزيه.

في نهاية العام 2023، كرر الرئيس أمام محيطه أنه يحتاج إلى «مُنظِّم» لتحديد المواصفات التي يبحث عنها من أجل استبدال إليزابيث بورن. هو يظن أنه وجد ما يريده في رئيس الوزراء الجديد الذي يَصِفه قصر الإليزيه بالمسؤول «الأبرع سياسياً منذ العام 2017».

يشيد الكثيرون بمزايا هذا الثلاثيني المكافح، فيما تجازف الانتخابات الأوروبّية بترسيخ تطور حزب «التجمّع الوطني» في شهر حزيران المقبل. يلاحظ المسؤولون في الإليزيه منذ الآن الخطوات المتماسكة الأولى التي بدأ يتخذها خَلَف إليزابيث بورن، مع أن رئيس الغالبية الجديد حرص على مهاجمة اليساريين يوم الثلثاء الماضي، فتوجّه إلى رئيس الكتلة الاشتراكية بوريس فالو، قائلاً: «أنا أفضّل العمل مع رشيدة داتي أو كاترين فوتران على طريقتي بدل التعاون مع جان لوك ميلانشون على طريقتك».

رجل شجاع

حصد هذا الموقف إشادة واسعة في بعض الأوساط الرسمية. داخل كتلة «التجمّع الوطني»، انصدم بعض النواب من نقاط التشابه بين الرئيس والشخص الذي اختاره. في هذا السياق، يقول رئيس لجنة الشؤون الخارجية جان لوي بورلانج: «بما أن إيمانويل ماكرون يعجز عن استلام هذا المنصب بنفسه، يبدو أنه اختار نسخة منه».

يَصِفه مسؤول مقرّب من الرئيس بالرجل «الشجاع»، ويقول إن ماكرون ينوي استعماله على هذا الأساس. بما أنه سيرأس الحكومة تزامناً مع الحملة الانتخابية، هو يُدرك أن الآخرين سيحكمون عليه بحسب فارق الأصوات بين لوائح حزب «النهضة» و»التجمّع الوطني» في مساء 9 حزيران المقبل، أكثر مما سيتأثر مصيره بتفاصيل سياساته العامة.

لكن قد يحاول رئيس الحكومة إثبات نفسه أمام رئيس البلاد أحياناً. يعطيه الدستور مجموعة من الصلاحيات، وتصدر الأحكام من قصر «ماتينيون»، ويستطيع رئيس الوزراء أن يتنقّل في كلّ أنحاء البلاد (بدأ يفعل ذلك منذ الآن)، ويمكنه أن يُعبّر عن آرائه في وسائل الإعلام بقدر رئيس الدولة، حتى أنه يستفيد من القوة التي يُمثّلها البرلمان.

أخيراً، يتمتع غابرييل أتال بشعبية أكبر من الرئيس الذي اختاره. لكن هل سيستفيد ماكرون من هذه الشعبية، أم أنه سيُدرّب رئيس حكومته حتى النهاية؟ في هذه المرحلة، تقول مصادر مطّلعة في قصر الإليزيه إنّ «أتال بدأ يُصبح تحت الأضواء من دون أن يخفي دور الرئيس». قد يتوقع البعض من ماكرون أن ينقل الشعلة إلى أتال، لكن قد يميل الرئيس أيضاً إلى تدمير من اختاره خوفاً من تفوّقه لدرجة أن يُسقطه من عرشه.