آرون ديفيد ميلر

نهاية الحرب في غزة لا تزال بعيدة المنال

27 كانون الثاني 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

مخيّم جباليا للّاجئين في غزة بعد تعرّضه للقصف الإسرائيلي | ١ تشرين الثاني ٢٠٢٣

عند التطرق إلى الحرب القائمة بين إسرائيل وحركة «حماس» ومستقبل قطاع غزة، أو الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني عموماً، حان الوقت للتخلي عن مفهوم المرحلة الانتقالية. قد تحمل هذه الفكرة نوايا حسنة، وتشير إلى عملية انتقالية منطقية من صراع ناشط إلى واقع جديد بعد انتهاء الحرب، وتترافق مع تغيرات بارزة في السياسة، والاقتصاد، والبيئة الأمنية في غزة، لكن لا يتماشى هذا المفهوم مع الوضع القائم اليوم. من المستبعد أن يظهر خط فاصل بين النشاطات العسكرية الإسرائيلية وفترة ما بعد الصراع حيث يصبّ التركيز على نظام الحُكم وإعادة الإعمار.

قد يتخذ الوضع منحىً أكثر إيجابية في المراحل المقبلة. وفق أحد التقارير، قد تبدي إسرائيل استعدادها لوقف القتال طوال شهرَين، وتنتقل من مراكز سكنية أساسية، وتطلق سراح بعض السجناء الفلسطينيين مقابل تحرير جميع الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في غزة. رفضت «حماس» هذه الفكرة، لكن قد تنتج المفاوضات اتفاقاً معيّناً في مرحلة لاحقة.

خلال الأشهر المقبلة، من المنتظر أن تنهي إسرائيل عملياتها المكثّفة التي تتكل على القوة الجوية والمدافع وتلجأ إلى عمليات قائمة على الوحدات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية لاستهداف أنفاق «حماس»، وقادة الحركة، وقاذفات الصواريخ المتبقية. لكن لا يعني ذلك إعلان الانتصار على «حماس». يختلف تفكيك نظام التحكم والقيادة المركزي الذي تستعمله الحركة عن قتل جميع المقاتلين أو معظمهم. في الأسابيع الأخيرة، أطلقت «حماس» في شمال غزة وابلاً من الصواريخ نحو المجال الجوي الإسرائيلي من مناطق سعت القوات الإسرائيلية إلى تمشيطها.

يصعب أن نتخيّل أي شكل من الاستقرار في غزة فيما تتابع إسرائيل مساعيها لمطاردة قادة «حماس» وقتلهم عند خروجهم من الأنفاق. لن تنسحب إسرائيل ما لم تنشأ قوة كافية لتلبية حاجاتها الأمنية. يتطلب إنشاء بيئة أمنية مُرضِية لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي. لكن بعد هجوم «حماس» الأخير في 7 تشرين الأول، بمَن ستثق إسرائيل لتجنّب هجوم آخر من هذا النوع؟

مع اقتراب نهاية الشهر الرابع من الحرب المستمرة بين إسرائيل و»حماس»، ما من خطة حقيقية حتى الآن لتحديد هوية من سيحكم غزة خلال أي عملية انتقالية أو مرحلة إرساء الاستقرار بشكلٍ دائم. لا يطرح أحد أي مقاربة واقعية في هذا المجال. لا يمكن أن ينجح المفهوم الإسرائيلي الذي يتوقع نجاح العشائر العائلية الكبرى في الحفاظ على النظام، بما يشبه تجمّعات القرى التي دعمتها إسرائيل في الضفة الغربية خلال السبعينات. سيتعرّض الفلسطينيون المستعدون للتعاون مع إسرائيل للضغوط من «حماس» أو أطراف أسوأ منها. كذلك، لن تنشر أهم الدول العربية قواتها فيما يتابع الإسرائيليون عملياتهم العسكرية، فهم لن يرغبوا مطلقاً في حراسة الفلسطينيين أو قمع تمرّد «حماس». قد توافق مصر على أداء دور معيّن لحفظ الأمن على الحدود أو تشارك في تدريب قوات الأمن الفلسطينية، لكنها لن تُلزِم قواتها الخاصة بأي عمليات مماثلة. أخيراً، لن يتغير الوضع عبر نشر قوات تابعة للأمم المتحدة أو فرض وصاية على طريقة كوسوفو.

يتعلّق مفتاح الحل طبعاً بالحُكم الفلسطيني في غزة، لكن يتراجع احتمال أن تعود السلطة الفلسطينية إلى هذه المنطقة قريباً: مرّت 17 سنة على خسارتها للقطاع أمام «حماس» خلال اشتباك مسلّح. ربما تقضي أول خطوة منطقية بتدريب آلاف العناصر في قوات الأمن الفلسطينية، لكن تتطلب هذه العملية سنة كاملة أو أكثر. وحتى لو تدرّبت هذه القوات، تفتقر السلطة الفلسطينية إلى الصدقية في الضفة الغربية أصلاً وبدرجة مضاعفة في غزة. لن تحصل أي انتخابات قريبة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وانتخاب رئيس جديد. ونظراً إلى ضعف السلطة الفلسطينية، ستحتاج هذه الأخيرة إلى دعم «حماس» في غزة لاسترجاع قدرتها على حُكم المنطقة. دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية صراحةً إلى مشاركة «حماس» في بنية الحُكم بعد انتهاء الصراع، وهي خطوة ستعترض عليها إسرائيل حتماً.

لا تنوي «حماس» من جهتها التنازل عن غزة. توحي الظروف الراهنة بأنها ستصمد رغم الحملة الإسرائيلية وتحافظ على جزء من أصولها العسكرية. يبدو أن يحيى السنوار، رئيس حركة «حماس» في غزة ومهندس هجوم 7 تشرين الأول، ينوي انتظار ما ستفعله إسرائيل ويريد تبادل الرهائن الإسرائيليين الذين احتجزتهم «حماس» في ذلك اليوم مقابل آلاف الفلسطينيين المعتقلين ووقف الأعمال العدائية.

ألمح عدد من المسؤولين في السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن تعيد «حماس» النظر بسياساتها. لكن نظراً إلى زيادة شعبية الحركة في هذه الفترة، لا سيما في الضفة الغربية، يصعب أن نتخيّل إقرار أي خطة لتوحيد الحُكم بين الضفة الغربية وغزة من دون موافقة «حماس». زاد ضعف السلطة الفلسطينية بسبب ممارساتها الفاسدة والاستبدادية وسياسات إسرائيل القائمة على ضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية، ويبدو أنها تعجز عن حُكم الفلسطينيين وحدها لأنها تفتقر إلى الصدقية والشرعية.

ربما يراهن المحللون الإسرائيليون على هوية المسؤول الذي سيترك منصبه أولاً: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو الرئيس الأميركي جو بايدن. لكن في ظل غياب أي آلية واضحة لتنحية الزعيم الإسرائيلي في الوقت الراهن، من المتوقع أن يبقى في منصبه لفترة أخرى، حتى أنه قد يصمد إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية هذه السنة. سبق وأثبت نتنياهو إلى أي حد قد يُسبّب الشركاء المشكلات، فهو يكتفي بالاعتراض على أي طموحات أميركية وعربية على صلة بسيناريوات ما بعد الصراع.

يحارب نتنياهو لضمان صموده السياسي والحفاظ على حريته لأن محاكمته بتُهَم الفساد لا تزال مستمرة. قد يحاول إطالة مدة الحرب قدر الإمكان على أمل أن يُحقق انتصاراً يكفيه للتعويض عن أفعاله الشائكة. من المتوقع أيضاً أن يتلاعب بشروط أي لجنة تحقيق حكومية، ويمتنع عن تحمّل أي مسؤولية شخصية على الإخفاقات الاستخباراتية والعمليات الفاشلة التي مهّدت لاندلاع الحرب، حتى أنه قد يستغل مخاوف الإسرائيليين بعد هجوم 7 تشرين الأول للتصدي لأي ضغوط أميركية تدعوه إلى الموافقة على قيام دولة فلسطينية.

لا يزال نتنياهو يبحث عن حل سحري معيّن لإنقاذ نفسه. حتى أنه لم يتخلَ عن احتمال إبرام اتفاق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية بوساطة أميركية. أصبح ثمن هذا الاتفاق أعلى من أي وقت مضى وقد يحتّم إقالة نتنياهو من منصبه وإقامة دولة فلسطينية. يريد بايدن من جهته أن يبقي الخيار السعودي متاحاً، وهو أحد الأسباب التي تفسّر على الأرجح عدم استعداده لقطع علاقاته مع نتنياهو.

لم يتّضح حتى الآن مدى استعداد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإطلاق مواقف مرنة في هذا الملف بعد بلوغ عدد القتلى الفلسطينيين مستوىً استثنائياً في غزة. لكن يسهل أن نفترض أنه لن يكون مرناً جدّاً. سبق وأوضحت أبرز الدول العربية أن أي دعم سياسي ومالي لإعادة إعمار غزة سيتوقف على انسحاب إسرائيل من المنطقة وموافقتها على حل الدولتين. لكن لا يمكن توقّع ما سيحصل إذا أبدت واشنطن استعدادها لتلبية المطالب السعودية الأساسية التي تقضي بإقرار ميثاق دفاعي مشترك والمشاركة في تطوير البرنامج النووي السعودي.

لا شك في أن نتنياهو يفضّل انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة مجدداً، وهو يظن حتماً أن عهد ترامب سيُخفف الضغوط التي تدعوه إلى تقديم التنازلات في الملف الفلسطيني. سيكون إحراز أي تقدّم حقيقي في غزة بالغ الصعوبة لأن نتنياهو يفكّر بصموده الشخصي بدل التعاون مع الأميركيين لطرح استراتيجية واقعية للتعامل مع غزة بعد الحرب.

أوضح بايدن من جهته التزامه بعدم العودة إلى الوضع الذي كان قائماً في 6 كانون الأول. إنه طموح واعد. لكن إذا كان هذا الهدف يتطلب أن تخلو غزة من حركة «حماس» وتعجز عن تهديد إسرائيل وأن تبدأ عملية سلام حقيقية بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أساس حل الدولتين، تبدو فرص النجاح ضئيلة أو حتى معدومة. إنه احتمال مستبعد جداً، ويزداد الوضع تعقيداً لأن الظروف الراهنة تتزامن مع انتخابات رئاسية وشيكة قد تكون الأكثر تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة.

من المتوقع أن ترتكز مقاربة بايدن في هذا الملف وسواه على تجنب المخاطر قدر الإمكان. إذا أقنع بايدن الإسرائيليين بإخماد الحرب، ووفّر الظروف المناسبة لزيادة المساعدات الإنسانية إلى غزة، وسهّل إبرام اتفاق معيّن لإطلاق سراح الرهائن، وتجنّب تفاقم القتال في الضفة الغربية، ومنع تأجيج الحرب بين إسرائيل و»حزب الله»، سيتمكن حينها من اعتبار سنته إيجابية.

وإذا حقق بايدن الفوز في انتخابات تشرين الثاني وتحرر من القيود السياسية المفروضة عليه خلال ولايته الثانية، قد يصبح أكثر قدرة على إطلاق مبادرة سلام واسعة النطاق. لكن لم يكن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني أحادي الجانب يوماً. يستطيع بايدن أن يقول ويفعل ما يريده، لكن لن تكون واشنطن الجهة الوحيدة المُطالَبة بلعب دور قيادي في هذا الملف. لا يمكن تحسين مسار الإسرائيليين والفلسطينيين من دون وصول رئيس وزراء إسرائيلي جديد إلى السلطة واستعداده للتعاون مع بايدن، أو من دون نشوء قيادة فلسطينية جديرة بالثقة وأخذ موافقة أبرز الدول العربية. أخيراً، لا مفر من أن تنتج صدمات 7 تشرين الأول وتداعياتها اللاحقة جيلاً حاقداً من الإسرائيليين والفلسطينيين خلال السنوات المقبلة، فيغرقون جميعاً في الصراعات والرعب والعنف ويبتعدون عن مظاهر الأمن والسلام التي حُرِموا منها لفترة طويلة.