جاد حداد

The Kitchen... تحذير من مستقبل مخيف

5 دقائق للقراءة

يخوض الممثل دانيال كالويا الفائز بجائزة أوسكار وكيبوي تافاريس أول تجربة إخراجية لهما في فيلم The Kitchen (المطبخ) الذي يروي قصة تدور أحداثها في نسخة بائسة من مدينة لندن في المستقبل القريب. يشكّل هذا الفيلم إنذاراً مقلقاً من الأحداث المرتقبة بعدما توسعت الفجوة القائمة بين الأغنياء والفقراء بدرجة مخيفة. يعيش «إيزي» (كين روبنسون) في مشروع سكني مستقبلي اسمه «كيتشن». يصبح هذا المكان عالماً بحد ذاته، وهو أشبه بمجموعة متحولة من المباني التي تُذكّرنا بمدينة «كولون» المُسوّرة السابقة في هونغ كونغ.


يقع هذا المشروع السكني في ضواحي مدينة لندن، وهو يشمل أفقر سكان المنطقة وغالباً ما يتعرض لمداهمات وحشية وعنيفة من الشرطة. يعمل «إيزي» في مكان لإقامة الجنازات اسمه Life After Life. تقصده العائلات التي تعجز عن تحمّل كلفة الجنازة، فتُحوّل أحبابها هناك إلى أشجار مُعدّة للزراعة. يدرك «إيزي» أن الحكومة توشك على الاستيلاء على منطقته نهائياً، لذا يدّخر الناس المال للرحيل من هناك. بشكل عام، يبدو «إيزي» رجلاً انطوائياً لا أصدقاء له بل مجرّد معارف (يتّضح هذا الجانب من شخصيته لاحقاً، فهو لا يعرف مثلاً أن صديقه المقرّب لديه ابنة). هو غير مسؤول عن أحد، لكن تتغير خططه فجأةً حين يقابل «بنجي» الذي أصبح يتيماً للتو (جيدايا بانرمان).



يبدأ ذلك الفتى بالتقرب منه، فينضم في البداية إلى مكان عمله، ثم يتبعه إلى الحي الذي يقيم فيه، ويبني علاقات جديدة مع مجموعة من الناشطين الشباب. سرعان ما ينشأ رابط قوي بين «إيزي» و»بنجي»، ما يدفع «إيزي» للعودة إلى المنزل الذي كان مستعداً لتركه. حين تصبح المداهمات متكررة وتزداد الاضطرابات في ذلك الحي، يواجه هذا الثنائي الصراعات وأعمال العنف في خضم رحلتهما لتعلّم كيفية مشاركة الحياة مع شخص آخر.


قد يكون أسلوب كالويا وتافاريس في الإخراج من أبرز نقاط قوة الفيلم، إذ يستفيد صانعو العمل من الجانب العاطفي للقصة بأفضل الطرق، بدءاً من المشاهد الحيوية والمشوقة وصولاً إلى اللقطات التأملية الهادئة التي تعكس مكنونات الشخصيات. يظهر عالم «كيتشن» (المطبخ) بأفضل صورة، علماً أنه يحمل هذا الاسم لأن السكان يطرقون على الأواني بالملاعق لتحذير الآخرين من اقتراب أي مداهمة. تتراوح الألوان بين الواجهات الحجرية الصدئة والأجواء المبهرجة في مشاهد الحفلات السرية.


كان أي فيلم آخر ليصوّر ثقافة هذا المجتمع عن طريق المآسي والصراعات حصراً، لكن لا يختار صانعو العمل هذه المرة أسهل مسار من خلال تحويل ذلك المكان إلى رمز سطحي للفقر بكل بساطة، بل إنهم يعرضون وقائع الحياة تزامناً مع التركيز على تفاصيل صغيرة للتأكيد على عمق التقاليد السائدة هناك. في مرحلة مبكرة من الفيلم، يقول أحدهم إن المياه غير متوفرة إلا في جزء واحد من ذلك المُجمّع الضخم بسبب انقطاعها عن المدينة. يُضاف إلى هذه الأجواء صوت كاميرات «درون» التي ترسلها الشرطة دوماً لمراقبة الحيّ. هذه التفاصيل الجانبية لا تؤثر على الحبكة بشكلٍ مباشر، لكنها تؤكد على قلة الموارد هناك ومستوى المراقبة التي تخضع لها المجتمعات الفقيرة.


على صعيد آخر، يُركّز الفيلم أيضاً على الجوانب الترفيهية من حياة البشر اليومية، فيتطرق إلى النضج الذي يكسبه الناس مع مرور الوقت. يتّضح هذا الجانب مثلاً حين يحاول «بنجي» تقبيل فتاة للمرة الأولى. تترافق هذه اللحظات الترفيهية مع مشاهد ممتعة على صلة بثقافة أصحاب البشرة السوداء، وهي إضافة مقصودة بكل وضوح، بدءاً من المشاجرات الخرقاء وصولاً إلى الحفلات الصاخبة على وقع أغانٍ لموسيقيين من أمثال سامفا وديفيد رافن.


يقدّم روبنسون وبانرمان أداءً يُلمِح إلى الحياة الداخلية للشخصية التي يجسدها كل واحد منهما، فينجحان في إقامة التوازن المطلوب عبر التشديد على الكيمياء القوية التي تجمعهما كشخصَين انطوائيَين يتحولان في مرحلة معيّنة إلى شريكَين يحاربان العالم من حولهما. يبدو الجانب الساذج والطفولي في الشخصية التي يقدمها بانرمان أشبه بغطاء خارجي بارد لإخفاء المشاعر الداخلية، ويسهل الاقتناع بالتبادلات الحاصلة بين بطلَي القصة لأن صانعي العمل يقدمون هذا الجانب بطريقة متقنة.


لكن رغم تميّز الإخراج وبراعة الفيلم في بناء العالم الذي تتطور فيه الأحداث، يتعثر السيناريو أحياناً بسبب تعقيداته، فيطرح الفيلم أفكاراً مفرطة من دون أن يعالجها بالكامل. تتعدد الخطوط السردية التي لا تهدف إلى بلوغ نهاية مفتوحة بل إنها تعجز بكل بساطة عن طرح حلول مقنعة، وكأن صانعي العمل يريدون أن يتركوا المجال مفتوحاً أمام إنتاج جزء آخر. يحاول السيناريو عموماً أن يُركّز على العلاقة اللافتة بين «إيزي» و»بنجي»، فيسلّط الضوء في أوقات كثيرة على جوانب عاطفية مؤثرة بأسلوب ممتاز، لكنه يمتنع في المقابل عن العودة إلى مساره الأصلي من خلال تجديد تركيزه على العالم الذي بناه بحذر شديد منذ البداية، فلا يستفيد العمل من جميع عناصره الواعدة.