إدراكنا للألوان محدود أكثر مما نظن

4 دقائق للقراءة
تكشف دراسة جديدة أننا لا نشاهد ألواناً كثيرة في محيطنا، بل إن الدماغ هو الذي يبني معظم جوانب العالم الملوّن الذي نراه!

لا يفهم العلماء بالكامل بعد طريقة رؤية الألوان أو معنى رؤيتها. هل يكون اللون الأزرق الذي يشاهده شخص معيّن مشابهاً للأزرق الذي يراه شخص آخر؟ وكيف يُغني إدراكنا للألوان حياتنا العاطفية؟ هل اللون مُلك للعالم المحيط بنا أم أنه من إنتاج دماغنا؟ إنها أسئلة عالقة في مجالات الفلسفة وعلم الأعصاب منذ فترة طويلة، وهي لا تزال تدهش الباحثين حول العالم.

نشرت مجلة "بناس" حديثاً تقارير حول تحقيق جديد ومثير للاهتمام عن رؤية الألوان، وهي تتمحور حول السؤال التالي: ما هي كمية الألوان التي نراها فعلياً؟

كانت الدراسة الجديدة نتاج تعاون بين كلية "دارتموث" في "نيوهامبشير" وكلية "أمهيرست" في "ماساتشوستس"، وهي تستنتج أن الناس لا يشاهدون الألوان بقدر ما يظنون. يبدو أن إدراك البشر للألوان في محيط مجال رؤيتهم يبقى محدوداً على نحو مفاجئ، ثم يأتي الدماغ لملء الثغرات!

نشعر في حياتنا اليومية أننا نعيش وسط عالم غني وملوّن، لكن إلى أي حد يتماشى هذا الشعور مع الوقائع من حولنا؟ تكشف دراسات جديدة مثلاً أن الإدراك محدود، لا سيما في مجال الرؤية المحيطية. تتركز هذه الرؤية بعيداً عن مركز التحديق الذي يغطي مساحة تساوي طول الذراع تقريباً.

لمعالجة الجدل القائم، استعملت الدراسة الجديدة تقنية الواقع الافتراضي لتقليد تجربة رؤية الألوان في العالم. استخدم الباحثون شاشات محمولة على الرأس ومزوّدة بأجهزة لمراقبة حركة عيون المشاركين أثناء تنقلهم في بيئة حقيقية بزاوية 360 درجة.

شملت البيئات الافتراضية جولات في مواقع تاريخية وعروضاً لرقص الشوارع وتدريباً على عزف السمفونيات. حين راح المشاركون يستكشفون هذه المشاهد، نزع الباحثون الألوان من البيئة التي تقع خارج مجال رؤيتهم المباشرة.

إغفال تام عن غياب الألوان

في المحصّلة، شارك 160 فرداً في الجزء الأول من الدراسة التي شملت خمس تجارب. في التجارب الأربع الأولى، ظهر العالم البصري الافتراضي بألوان كاملة وشجّع الباحثون المشاركين على استكشافه طوال 20 ثانية.

وفي التجربة الخامسة، بقي المجال البصري المركزي بألوان كاملة، لكن اختفى اللون المحيطي تدريجاً خلال 5 ثوانٍ إلى أن أصبحت الرؤية المحيطية باللون الرمادي.

تفاجأ الباحثون حين اكتشفوا أن المشاركين لا يدركون حقيقة ما يحصل حين يفتقر معظم العالم البصري إلى الألوان.

عند ظهور أكبر منطقة ملوّنة، لم يلاحظ معظم المشاركين غياب الألوان في الأجزاء المتبقية من البيئة المحيطة. وفي أكثر الحالات تطرفاً، أي عند وجود منطقة ملوّنة تقتصر على 10 درجات (ما يساوي دائرة بشعاع 10 سنتم من طول الذراع وأقل من 5% من المجال البصري الإجمالي)، فشل ثلث المشاركين تقريباً في رصد هذه الملاحظة.

تقول المشرفة الرئيسة على الدراسة، كارولين روبرتسون: "لقد تفاجأنا حين أغفل المشاركون عن غياب الألوان في 95% من عالمهم البصري".





الدماغ يملأ الثغرات!

في دراسة ثانية، طلب العلماء من 20 شخصاً أن يلاحظوا تلاشي الألوان في رؤيتهم المحيطية ويضغطوا على زر حالما يلاحظون هذه العملية.

أثبتت النتائج أن المشاركين لم يلاحظوا عموماً تلاشي الألوان بعد تجاوز منطقة دائرية بحجم 37.5 درجة في محيط نقطة التحديق (ما يعني أن ثلثَي العالم البصري أصبح بالأبيض والأسود)، مع أن الباحثين طلبوا منهم رصد هذه الحالة.

توضح روبرتسون: "تكشف نتائجنا أن شعورنا الفطري بأننا نعيش في عالم غني وملوّن هو خاطئ في معظمه. يقوم دماغنا على الأرجح بملء الثغرات في معظم تجاربنا الإدراكية".

لا وجود لأي حدود تشريحية ضمن هذا النطاق، لذا تثبت النتائج الأخيرة أن الناس يميلون إلى الإغفال عن تقلبات الألوان في رؤيتهم المحيطية حتى لو كانوا يبحثون عنها عمداً.

يكشف هذا البحث أن الناس يستطيعون تحسين حساسيتهم تجاه الألوان في رؤيتهم المحيطية عبر رفع مستوى انتباههم. لكن يبدو أن طريقة إدراك الألوان لدى معظم الناس تبقى محصورة ضمن منطقة صغيرة نسبياً في وسط مجال رؤيتهم. ثم يأتي الدماغ لملء الثغرات المتبقية بناءً على توقعات عن الألوان المحتملة.

هذا الاستنتاج يدعم الفكرة التي يطرحها علماء الأعصاب، أبرزهم أنيل سيث، ومفادها أن إدراكنا للواقع يرتكز بشكلٍ أساسي على ما "يتوقع" الدماغ رؤيته. ربما تشتق تلك التوقعات من شبكة تخمينات محبوكة بذكاء ومبنية على الحقائق التي نعرفها من تجاربنا الماضية.