جولي مراد

أنا الميتُ الحيّ

4 تموز 2020

02 : 00

أنا الميتُ الحيّ... ما عاد هذا الكفنُ يأويني...

أنا المضرّج بأحمر قانٍ مرمياً على قارعة الطريق...

أنا من كانت الروح تدبّ في أوصالي قبل لحظات...

أنا المُلقى هنا جثةً هامدة...

من يتحلّق حوله فضوليّون ينتشون من كآبة الآخرين...

أنا الميتُ الحيّ...

حملتُ حياتي الكئيبة عبئاً ثقيلاً أضنى كاهلي وسرتُ بسنواتي الإحدى والستين هائماً على وجهي أياماً ولياليَ شاحداً "فتافيت" هناء في وطنٍ موحشٍ لا يرتوي من تعاستي...أنا الميتُ الحيّ أطوف بينكم بهامةٍ منحنية وقد أطبقت عينيّ على السواد الحالك...

بطلقةٍ واحدةٍ وأدتُ قاتلي منتزعاً سوط تعذيبي...

بومضةٍ قتلتُ وحشاً ينهش أمعائي ...

أنا من تآكلتني المشقّات والصعاب وبأنيابٍ كاسرة تناتشتني الذئاب...

أنا من حُفِرت في أعماقي أثلامُ قهرٍ وذلّ بقِدَم الهياكل...

أنا من قضّ مضجعي الرغيفُ وأدمت قلبي الحناجر المقهورة...

أنا من طاردتني أفواهٌ تتوق الى كسرةٍ في بطون الحاويات... أنا من استولوا على قرشه الأبيض جمّعه ليومٍ أسود...

أنا من يسيل حبركم عليّ فضفاضاً...

مَن تتناقلون مصرعه صوراً وشرائط كمشهدٍ في فيلمٍ تعيس...

أنا من أتصدّر النشرات والحلقات الحوارية...

لا تحدّقوا كثيراً في حفرةٍ أحدثتُها في رأسي فقد هربتُ منها نحو فضاءاتٍ لا طيف فيها لطُغمةٍ تقتاتُ من لحمي ولا مساحة لرُعاع تنحرُ وطناً بدمٍ بارد...

أنا الميتُ الحيّ لا تلوموني على توقي للرحيل فليس في هذه البقعة ما يشدّني للبقاء...

أنا من شاء مُكتئبٌ آخر مرافقتي شنقاً نحو آفاقٍ أكثر إشراقاً...

وفيما ألفظُ أنفاسي الأخيرة ثمة مَن في عليائه يرقصُ حبوراً... أنا من برصاصةٍ يتيمة أرديتُ "ساكن القصر" قتيلاً...


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.