الحسن بن طلال

لإعادة إحياء مبادرة السلام العربية وتعديلها

30 كانون الثاني 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

عرض عسكري لكتائب القسام في غزة - أيار 2021

إنطلاقاً من الذكريات القديمة التي نحملها عن صراع الشرق الأوسط، من الواضح أن الوضع لم يسبق أن كان مريعاً أو خطراً بقدر ما هو عليه اليوم في تاريخ المأساة القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لكن في الوقت نفسه، لم يسبق أن كانت المكونات الأساسية لأي تسوية سلام مستقبلية واضحة لهذه الدرجة.


تختلف الأحداث المشينة في الفترة الأخيرة عن كل ما سبقها، لا سيما هجوم حركة «حماس» الذي أسفر عن مقتل أكثر من 1100 شخص والرد الإسرائيلي العدائي المستمر في غزة ومقتل أكثر من 26 ألف فلسطيني، فقد أعادت هذه التطورات فتح أعمق الجروح وأصبحت العواطف مشحونة على نحو استثنائي.


عندما تصمت أصوات المدافع في نهاية المطاف، ستتلاحق التحليلات الرامية إلى تقييم الظروف المتبدلة. تتمتع «حماس» في الوقت الراهن بدرجة من الشعبية وسط الفلسطينيين المثقلين بالصدمات النفسية، لكن هل سيسامحها الناس يوماً على انتشار مظاهر الموت والدمار؟ تفاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهجوم 7 تشرين الأول 2023 وربما حصد دعم البلاد في حملته الرامية إلى مطاردة «حماس». لكن إلى متى سيتمكن من متابعة مساره بعد استرجاع شكلٍ من الحياة الطبيعية؟


بعد عقود من الاحتلال الإسرائيلي الخانق، بدا انفجار الوضع حتمياً عاجلاً أو آجلاً، لكنه ما كان ليتخذ شكله الراهن بالضرورة. كانت «حماس» تستطيع أن تكرر الاحتجاجات السلمية الواسعة التي نظّمتها منذ خمس سنوات تقريباً، فتعطيها زخماً أكبر هذه المرة بعدما نجحت في إحباط حواجز المراقبة الإلكترونية الإسرائيلية. لو أنهم احتشدوا بالآلاف لشرح الوضع وامتنعوا عن استعمال الأسلحة وتنظيم العمليات الهجومية، كانت مطالبات الفلسطينيين بالحرية والمساواة لتنتشر في أنحاء البلاد وعلى أبعد المسافات أيضاً، وكانت لتؤثر بعمق على المناخ السياسي في إسرائيل وتنتج تيارات سياسية جديدة.


لكن من خلال تفضيل العنف، نسفت «حماس» هدفها الاستراتيجي القديم الذي يتعلق باعتراف حكومات العالم بها كمحاورة شرعية في أي نقاشات عن مستقبل البلاد. قد تزعم هذه الجماعة أنها حصدت بعض المنافع التكتيكية من عمليتها الأخيرة، لكن سيُعتبر هجوم 7 تشرين الأول على نطاق واسع شكلاً من التخريب الذاتي حين يتجدد الهدوء بعد هذه المرحلة المضطربة.


لكن حين قررت حكومة الحرب الإسرائيلية إطلاق رد انتقامي فائق، تخلّت بدورها عن الاستراتيجية التي تطبّقها منذ سنوات وتقضي بترسيخ حُكم «حماس» في غزة لإبطاء احتمال نشوء دولة فلسطينية تخضع لقيادة موحّدة في الضفة الغربية وغزة. يتعلق الهدف الجديد بتدمير أي أثر لحركة «حماس»: هو لا ينجم عن تفكير استراتيجي عميق، بل يعكس ردة فعل تلقائية من الجهات التي يُفترض أن تحمي أمن إسرائيل.


لا يُعتبر هذا الهدف الجديد متهوراً فحسب بل إنه بعيد المنال، مع أن القادة الإسرائيليين معتادون على تغيير أهدافهم النهائية كي يتمكنوا من إعلان انتصارهم في مرحلة معيّنة. بدل تدمير «حماس»، من المتوقع أن يؤدي استمرار قصف غزة وسكانها المحاصرين إلى تكثيف عمليات التجنيد داخل الحركة. هذا التوجه يعكس أيضاً شكلاً من التخريب الذاتي من الجانب الإسرائيلي.


كانت إسرائيل تملك بدورها عدداً من الخيارات المحتملة. على ضوء الحقبة الجديدة التي سمحت للدولة بإقامة علاقات رسمية مع عدد متزايد من البلدان العربية، كان يمكن إطلاق رد إقليمي قوي وشامل في أسرع وقت. كانت نتيجة ذلك الرد لتكون أقل دماراً وأكثر فاعلية من الرد العسكري الإسرائيلي الأحادي الجانب. كان يمكن تجنب مقتل آلاف الناس وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين والأجانب الذين احتجزتهم «حماس» في 7 تشرين الأول. كذلك، كانت الأحداث الأخيرة لتحسّن فرص الاتفاق على عملية سلام جديدة رغم الوضع البائس راهناً لسببَين رئيسيَين.


أولاً، تبيّن أن المغالطة الشائعة التي تعتبر الفلسطينيين شعباً مهزوماً وتشير إلى سهولة تهميش القضية الفلسطينية هي مجرّد سخافة. ثانياً، انهار الوهم القائل إن هذا الصراع قابل للاحتواء أو يمكن التحكم به بطريقة أو بأخرى. هذا الأمر مستحيل. يحتاج هذا الملف إلى حل نهائي منعاً لانفجار الوضع مجدداً وتسلل سمومه إلى بقية أجزاء العالم. لكن لا يمكن حل هذا الصراع من دون أن تنهي إسرائيل احتلالها القائم منذ عقود للضفة الغربية وحصارها لغزة بالكامل، كي يتحرر الفلسطينيون أخيراً ويتمكنوا من تقرير مصيرهم بأنفسهم ويعيشوا بحرية وكرامة.


منذ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1967، أطلق كل انفجار مُزَلزِل لأعمال العنف المرتبطة بهذا الصراع خطوات تُمهّد لإرساء السلام، حتى لو كانت تفشل في تحقيق النتائج المرجوة في بعض الحالات: مهّدت حرب العام 1967 بحد ذاتها لتطور تدريجي في مواقف الفلسطينيين على مستوى تقبّل فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل بدل أن تقوم تلك الدولة مكان إسرائيل. كذلك، أدت الحرب في العام 1973 إلى إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل بعد ست سنوات. ثم بلغت الانتفاضة الأولى في العام 1987 ذروتها مع إقرار اتفاقية أوسلو خلال التسعينات، علماً أن هذه الاتفاقية اعتُبِرت على نطاق واسع أداة لإطلاق حقبة جديدة من السلام المبني على حل الدولتين. أما الانتفاضة الثانية في العام 2000، فقد أطلقت مبادرة السلام العربية في العام 2002 وعرضت على إسرائيل أن يعترف بها كلّ أعضاء جامعة الدول العربية مقابل قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لها.


لا داعي لابتكار حلول جديدة في المستقبل إذاً بعدما أثبتت مقاربات قديمة فاعليتها. لا يمكن تحقيق السلام بين الدول المستقلة إلا عبر نشوء علاقة مبنية على التعاون بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. إنه المسار الوحيد الذي يضمن إنهاء كابوس العنف والوحشية القائم في الوقت الراهن.


تحدّدت كلّ المكونات الأساسية لأي تسوية سلام في الشرق الأوسط في مبادرة السلام العربية الآنف ذكرها، علماً أن هذه المبادرة حصلت أيضاً على دعم منظمة التعاون الإسلامي. تبرز الحاجة إلى إعادة إحيائها اليوم وتعديلها عند الحاجة، ولا بد من دعمها من داخل المنطقة لإقناع الإسرائيليين والفلسطينيين بها، إذ يحتاج هذان الشعبان بعد 7 تشرين الأول إلى ضمانات جديرة بالثقة لحماية أمنهما وسلامتهما وإيجاد الترحيب اللازم في المنطقة التي ينتميان إليها.



من الاعتداءات الاسرائيلية على غزة



* صاحب السمو الملكي الأردني الأمير الحسن بن طلال هو ناشط داعم للتعددية ومن أشرس مؤيدي حق الناس بالعيش بسلام وكرامة. أنشأ الحسن بن طلال عدداً من المنظمات في الأردن، منها منتدى الفكر العربي والمعهد الملكي للدراسات الدينية.

تشمل التزاماته الدولية المشاركة في رئاسة اللجنة المستقلة المعنية بالقضايا الإنسانية الدولية وترأس لجنة التمكين القانوني للفقراء.