ديفيد غرهام

الناخبون البيض يتخلّون عن ترامب

7 تموز 2020

المصدر: The Atlantic

02 : 00

في السنوات الثلاث الأخيرة، كان تغيّر توجهات الشعب الأميركي مستبعداً أكثر من تغيّر مواقف دونالد ترامب. بغض النظر عن نجاح الرئيس أو أداء إدارته الفوضوية والمضطربة، بدا وكأن شيئاً لا يستطيع تغيير رأي الناس بترامب. بقيت نسبة تأييده ضمن النطاق نفسه وتراوحت بين 39 و45% رغم احتجاجات "شارلوتسفيل"، والإصلاحات الضريبية، والقوافل الحدودية المزعومة، وحوادث إطلاق النار الجماعي، وتقرير المستشار الخاص روبرت مولر، وإجراءات عزل الرئيس.

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، تتراجع أهمية نسبة تأييد الرئيس مقارنةً بالنتائج التي يحققها في وجه منافِسه. في الأسابيع القليلة الماضية، بدأ الوضع يتغير بكل وضوح. بعدما تفوّق جو بايدن، المرشح الديمقراطي الأوفر حظاً، في استطلاعات الرأي بفارق بسيط على مر الأشهر الماضية، كشفت سلسلة من الاستطلاعات الأخيرة أنه بدأ يتفوق بفارق كبير. وفق استطلاعات أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع جامعة "سيينا" واستفتاءات أخرى أجرتها جامعة "هارفارد" بالتعاون مع شركة "هاريس"، تراجع ترامب بفارق 14 و12 نقطة على التوالي. كذلك، تشير مجموعة استطلاعات في الولايات المتأرجحة إلى تعادل بايدن وترامب أو تفوق بايدن على الرئيس في ولايات فاز فيها ترامب بكل سهولة في العام 2016.

لكن تبقى استطلاعات الرأي مجرّد لمحة عن توجهات الناخبين وليست توقعات دقيقة. قد يتلاشى تفوّق بايدن في أي لحظة، مع أن هذا السباق الانتخابي يبدو مستقراً على غير عادة حتى الآن. وعلى عكس ما يزعمه ترامب حول شوائب هذه النتائج، يبدو تفوق بايدن في الوقت الراهن حقيقياً. ونظراً إلى صعوبة تغيّر المواقف من ترامب، تستحق هذه الظاهرة التدقيق.

قد يشعر الناخبون بالخيبة وينقلبون على الرئيس المنتهية ولايته في الوقت الراهن لعدد من الأسباب الوجيهة. قتل فيروس كورونا حوالى 130 ألف أميركي ولا نهاية وشيكة لهذه الأزمة، ويشهد الاقتصاد أسوأ مستوى من الركود منذ عقود وأصبح ملايين الناس عاطلين عن العمل ولا حل منظوراً لهذه المشكلة في الأفق أيضاً.

لكنّ هذه المسائل ليست النقاط المحورية التي تؤذي ترامب في الاستطلاعات الأخيرة. يؤيد نصف الشعب تقريباً طريقة تعامل الرئيس مع الاقتصاد. لكن تبقى هذه الأرقام مُحيّرة نظراً إلى وضع الاقتصاد راهناً. بشكل عام، يحصد الرؤساء الإشادة بسبب الاقتصاد الناجح أكثر مما يستحقون، لكنهم يتلقون اللوم أيضاً في حال تدهوره، حتى لو كان الوضع خارج سيطرتهم.

ربما يتكل ترامب حتى الآن على ذكريات الاقتصاد القوي خلال السنوات الثلاث الأولى من عهده، لكن يبدو أن هذا الاقتصاد سينهار إذا استمر الركود الراهن. أو ربما يشتق التأييد الشعبي الذي يحصده من تحسين الحوافز وإعانات البطالة. في مطلق الأحوال، تفوق نسبة تأييد الرئيس في المجال الاقتصادي اليوم نتيجته الإجمالية ونسبة من ينوون التصويت لصالحه بأشواط. لا مفر من أن تتأثر فرص إعادة انتخاب ترامب سلباً إذا كان 10 إلى 15% من الناس يؤكدون على عدم تصويتهم له رغم إشادتهم بأدائه في المجال الاقتصادي. لكن يبدو أن الاقتصاد ليس من أولويات الرئيس في الوقت الراهن.





ماذا عن الوباء المتفشي؟ يرتبط أحد أسباب التدهور باقتناع ترامب بقدرته على فصل الاقتصاد عن أزمة فيروس "كوفيد-19"، لكن بدأت فداحة ذلك الخطأ تتّضح اليوم. تبلغ نسبة تأييد ترامب في ملف "كورونا" حوالى 41% على الصعيد الوطني بعدما كانت 50% في آذار الماضي. من الواضح أن الناخبين يتساهلون مع ترامب بدرجة لا يستحقها، لكن لا يمكن إنكار هذه النتيجة. تبدو أرقامه في ملف الوباء شبه متساوية لنسبة تأييده الإجمالية، وبالتالي لا يتعلق تراجعه في السباق الانتخابي بهذه الأزمة أيضاً.

يبدو أن العامل الكامن وراء انهيار نتائج ترامب يتعلق بالمسائل العرقية إذاً. لطالما كشفت استطلاعات الرأي أن الأميركيين لا يؤيدون طريقة تعامله مع الاحتجاجات ضد عنف الشرطة ويظنون أنه زاد العلاقات العرقية سوءاً.

الناخبون محقون حين يقولون إن ترامب يسيء إلى العلاقات العرقية ولا يجيد التعامل مع الاحتجاجات القائمة. في الأيام الأخيرة، أعاد الرئيس تغريد فيديو (حذفه لاحقاً) لأحد مناصريه وهو يصرخ بعبارة "القوة للبيض!"، كما يظهر مناصران أبيضان آخران وهما يوجهان مسدساً ضد محتجين سود يمرون بالقرب من منزلهما.

لكنّ هذه الظاهرة ليست جديدة، فهي تتزامن مع الذكرى الأولى لأعلى درجات العنصرية في عهد الرئيس. كان استغلال الاضطرابات العرقية نمطاً دائماً في حياة ترامب، منذ بداية مسيرته في قطاع الأعمال، وقد طرح هذه المسألة كمفهوم أساسي خلال حملته الانتخابية في العام 2016.

حين انتشر الفيديو الذي يوثّق مقتل جورج فلويد على يد الشرطة، أدان ترامب ما حصل لكن سرعان ما عاد إلى خطابه النموذجي، فاستغل الوضع لتأجيج الانقسامات حول المسائل العرقية. يجب ألا يتفاجأ أحد بمواقفه: ربما لم تصل جميع تعليقات ترامب الهجومية إلى الجمهور العريض نفسه أو لم يفسرها الجميع بطريقة واحدة، لكن لطالما تطرّقت تعليقات الرئيس الضمنية إلى المسائل العرقية. يتعلق الاختلاف الحقيقي هذه المرة بردة فعل الناس.

لكن ما سبب هذا التغيير؟ ربما يتعلق الوضع المستجد بالمسائل التي تهمّ الناخبين في الوقت الراهن. لطالما شملت قاعدة مناصري ترامب مجموعة كبيرة من المؤيدين المترددين أو المرتبكين. وفق استطلاعات ما بعد التصويت في العام 2016، أعلن 35% من الناخبين فقط أن ترامب يتمتع بشخصية تناسب منصب الرئاسة، لكنه فاز بـ46% من التصويت الشعبي. يشكّل هؤلاء الناخبون جزءاً مألوفاً من التغطية الإخبارية أيضاً. هم يعطونه الأعذار دوماً مع أنهم لا يحبذون أسلوبه أو يتمنون أن يخفف نبرته الهجومية. ربما أغفل هؤلاء الناخبون عن عيوب ترامب الأخرى حتى الآن لأنه يتخذ خطوات يؤيدونها. لكن أدى الوباء المستجد إلى تجميد مسار التقدم في جميع السياسات التي يعطيها ترامب الأولوية. وحتى لو كان الناخبون يؤيدون طريقة تعامله مع الاقتصاد، لم تعد هذه المنفعة إيجابيــة. وبسبب التغطيـــــة الإخبارية المفرطة، لم يعد تجاهل المشاكل العرقية ممكناً.

أو ربمــــــــا بدأ الناخبون يغيرون آراءهم، لا أولوياتهم فحسب. في هذا السياق، يكتب خبير العلوم السياسية مايكل تيسلر عن حصول تحولات حقيقية في توجهات الرأي العام حول المسائل العرقية في الأسابيع الستة الأخيرة. بدأت الآراء المتعلقة بأداء الشرطة تتغير أصلاً غداة مجموعة واسعة من الحوادث الشائكة، لكن من الواضح أن قضية فلويد أثرت بالناخبين البيض كما لم تفعل جرائم أخرى ارتكبتها الشرطة سابقاً. قد يكون فيروس كورونا جزءاً من العوامل المؤثرة. برأي آشلي جاردينا، خبيرة في العلوم السياسية تدرس المواقف العرقية وسط أصحاب البشرة البيضاء، يشاهد الناس الأخبار أثناء ملازمتهم المنزل بسبب فيروس كورونا أكثر من أي وقت مضى وبدأوا يغيرون آراءهم في المسائل العرقية: "يشمل الناخبون منذ وقت طويل مجموعة من الأميركيين البيض المثقفين عموماً، وقد ارتاد عدد كبير منهم الجامعة، بينهم نسبة متفاوتة من النساء، لكنهم لا يدركون إلى أي حد يتحمّل أصحاب البشرة السوداء في الولايات المتحدة مظاهر التمييز العنصري. لهذا السبب، جذبت هذه القضية انتباههم في الفترة الأخيرة".





سُجّلت أكبر التحولات في هذه المجموعة من الناخبين تحديداً وبدأت الكفة ترجح لصالح بايدن في هذه الأوساط. تذكر صحيفة "ذا تايمز": "ربما تتعلق أبرز نتيجة بتفوّق بايدن في أوساط النساء البيضاوات من حاملي الشهادات الجامعية، إذ تفضّل هذه الفئة بايدن على ترامب بنسبة 39%. في العام 2016، كشفت استطلاعات ما بعد التصويت أن هذه المجموعة نفسها فضّلت هيلاري كلينتون على ترامب بفارق 7% فقط. كذلك، تكشف الاستطلاعات الأخيرة أن بايدن قلّص الفرق بينه وبين ترامب في أوساط الناخبين البيض الأقل تعليماً.

لكنّ أشرس مناصري ترامب، لا سيما الرجال البيض غير الجامعيين، لن يغيروا آراءهم بسبب هذه الأخبار على الأرجح. هم السبب في حفاظ ترامب على نسبة تأييد تفوق 30% وارتفاع أرقامه في الاستطلاعات الوطنية أيضاً. لكن إذا بدأ ناخبو ترامب المترددون في العام 2016 يغيرون آراءهم حول العلاقات العرقية، قد يترافق هذا التغيير مع تداعيات مدوّية على فرص إعادة انتخابه.

قد لا يتمحور كل شيء حول ترامب، مع أنه يحاول إثبات العكس دوماً، بل تتعلق المسألة هذه المرة بجو بايدن. خلال الانتخابات التمهيدية، فَقَد بعض الديمقراطيين الأمل بأن يتفوق أي مرشّح ديمقراطي على ترامب في الاستطلاعات. لكن بعد ترشيح بايدن عن الحزب الديمقراطي الآن، اتّحد الديمقراطيون والناخبون المترددون لدعمه. يتأثر ترامب سلباً بوجود خيار بديل عنه، لا سيما إذا كان يتمثل بشخص مستقر في توجهاته مثل جو بايدن، وتتّضح التداعيات بشكلٍ خاص في زمن الأزمات.

قد لا تكون أسباب تراجع ترامب في الاستطلاعات مهمة اليوم لأن المعطيات العامة لا تزال مبهمة، بل تتعلق أكثر المشاكل إلحاحاً بتغيير نتائج تلك الاستطلاعات. هذا ما يقلق ترامب في الوقت الراهن. في استطلاع جديد أجرته شركة "يوغوف"، اعترف 94% من الناخبين المسجلين بأنهم حددوا خياراتهم حول هوية مرشّحهم في تشرين الثاني المقبل. هذه النتيجة تُضيّق هامش المناورة التي يملكها الرئيس لاسترجاع ناخبيه وتحقيق الفوز، لا سيما في ظل إصراره على خطابه أو أسلوبه الشائك.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.