إتفقت كل محطات التلفزة في لبنان على نقل الأمسية الإستثنائية التي قدمتها الـ"أوركسترا الفلهارمونية اللبنانية" مساء الأحد، على مدرج معبد باخوس بقيادة المايسترو هاروت فازليان (إخراج باسم كريستو)، بالتوازي انفردت قناة "المنار" بإجراء حوار شيّق مع "الدكتور" ناصر قنديل بمشاركة الدكتور نبيل خوري عبر الأقمار الصناعية!
ولـ"المنار" كوسيلة إعلامية تابعة لـ"حزبُ الله" موقف جذري من الموسيقى والغناء والرقص والنحت... ويبدو أن فن العمارة وحده المقبول من الفنون السبعة، والشعر أيضاً بشريطة التزامه قواعد معينة وضوابط أخلاقية صارمة! لذا لم يكن مفاجئاً لمتتبعي برامج "المنار"، أن تتجاهل القناة الصفراء حدثاً بهذه الأهمية، أو دونها، وهي التي أغفلت حتى خبر وفاة وديع الصافي في العام 2013، ووفاة شاعر من وزن سعيد عقل، ولم تفرد لهما سطراً وداعياً في نشراتها الإخبارية، في تصرف إعلامي، إن دلّ على شيء، فهو يدل إلى أن "الحزب" يعيش في عالمه، أو كوكبه بعيداً من لبنان المنفتح على الغرب والشرق والفنون الراقية.
البعض وضع تمنّع "المنار" عن نقل أمسية رعاها رئيس الجمهورية، في إطار حرية المعتقد و"التعدد" والتنوع، وهي من المزايا التي تعتبر مصدر غنى لبنان. في المبدأ يُفهم التعدد في المجال الثقافي أن تنحاز قناة "المنار" مثلاً إلى سيد إمام ومارسيل خليفة متجاوزة الإرث الرحباني العظيم أو العكس، أو أن يكون معد البرامج الفنية من "فانزات" كوكب الشرق ويمقت كل كواكب الغرب... لكن المسألة هنا أعمق، لا بل أخطر، فقد أرسى "الحزب"، بموازاة العمل الجهادي، منظومة إجتماعية مذهبية وتربوية (ولا أقول ثقافية)، ليست سوى إطار إنفصالي، فدرالي، إنعزالي على الرغم من نبذه الفدرالية حلةً ونسباً.
ويقدّم لنا "حزب الله"، مباشرة أو عبر وكلاء أوفياء، نماذج يومية عن رفض الآخر، وثقافة الآخر، وطرائق عيش الآخر وممارسته لعاداته في المأكل والمشرب واللبس... ألخ. فالبحيرات الطبيعية في جنوب لبنان تدنس قدسيتها سيدة تشرب البيرة، وبحر صور يُدنس أيضاً بنزول شابة بلباس البحر، يفترض أن تنزل السيدتان مع بعليهما، إلى البحر والبحيرة، كما تنزلان إلى السوق التجاري المكتظ بالعيون.
في إطار التمايز المجتمعي، أذكر أنه قبل سنوات التقى قطبا الزجل الشاعران موسى زغيب والسيد محمد المصطفى في حفلة جنوبية، واشتُرط عليهما استبدال النقر على الدف، بالـ"تزقيف" بعد كل ردة "معنّى" أو "قرّادي" في محاولة خبيثة لأدلجة الزجل اللبناني بما يتوافق مع أدبيات الحالة الإسلامية المتشددة. وفي إطار التمايز نفسه جاء رفض نقل أمسية موسيقية راقية من دون أن يُبخس ناصر قنديل قيمته التفاضلية كشعلة ضوء وإبداع في زمن العتمة!