جاد حداد

Love on the Spectrum... برنامج مواعدة للمصابين بالتوحّد

5 دقائق للقراءة

نادراً ما كانت القصص المتعلقة بالتوحد واعدة في الماضي، لكن يوحي برنامج تلفزيون الواقع Love on the Spectrum (حب على طيف التوحد) بأنه قادر على تغيير الآراء بشأن هذا المرض وقد يحصد تعاطفاً صادقاً مع نجوم العمل، حتى أنه قد يزيد اهتمام الناس بقصص متنوعة عن التوحد. يسمح هذا البرنامج لأبطاله بالتعبير عن أنفسهم وتوجيه قصصهم بأنفسهم، فيتعرّف عليهم المشاهدون كأشخاص يحملون أفكاراً ورغبات وحاجات فردية.

بشكل عام، يحمل هذا المسلسل نوايا حسنة ويتّسم بأجواء ساحرة من وقتٍ لآخر. هو يطرح نظرة حميدة نسبياً وخالية من الأحكام المسبقة عن الصراعات العاطفية والانتصارات التي يعيشها المصابون بمرض التوحد. سبق ووجد بعضهم الحب في حياته، ويحاول هؤلاء تجاوز التحديات التي ترافق العلاقات الطويلة وتغيرات الحياة الكبرى. يتابع معظمهم مساعيهم لتحقيق أهدافهم. تظهر جودي رودجرز، خبيرة علاقات مختصّة بحالات التوحد، لتقديم النصائح للمشاركين من وقتٍ لآخر. في غضون ذلك، يستعرض الراوي عشوائياً بعض الحقائق العامة عن التوحد لتوضيح السياق العام للأحداث والتطورات، علماً أن معظم المشاهد الثقيلة واللافتة ترتكز على شخصية اسمها أوليفيا: هي ممثلة واعية وذكية، ومن الواضح أنها تتمتع بخبرة واسعة حين تحاول تفسير أفكارها ونظرتها عن التوحد أمام الآخرين.

تخلو المشاهد المعروضة على الشاشة من أي مؤشر على حصول تلاعب أو استغلال أو أي مظاهر غير محبذة خلال صناعة هذا العمل. قد تبدو الظروف التي تُمهّد للمواعيد الغرامية التي يشارك فيها أشخاص عازبون مفتعلة بدرجة معيّنة، لكن تبقى المواعيد بحد ذاتها عفوية. تحمل المشاهد التي تظهر فيها ثنائيات مثل روث وتوماس أو شارناي وجيمي طابعاً طبيعياً بما يكفي. أوضح صانع العمل سيان أوكليري في مقابلة جديدة أنه استشار عدداً من علماء النفس، فأخبروه بأن ذهاب فريق التصوير مع المشاركين إلى المواعيد الغرامية قد يساعدهم على تبديد التوتر العام ويُخفف شعورهم بالوحدة. منطقياً، قد يشعر البعض بتوتر إضافي عند التدقيق بتفاصيل موعده الغرامي بهذا الشكل، لكن ربما يحمل أشخاص آخرون من المصابين بالتوحد شعوراً مختلفاً في هذه الظروف.

على صعيد آخر، تتعدد التلميحات التي تشير إلى واقعية المواقف، لا سيما حين تطلب أماندا من فريق التصوير أن تأخذ استراحة من موعدها الغرامي مع مايكل، أو حين تقاطع جيسيكا رفيقها كيلفن أثناء تكلّمه عن الموعد الذي جمعهما لتوضيح فكرة خاطئة. تنتشر هذه اللحظات على مر البرنامج، وهي تشير إلى الصعوبة التي يواجهها بعض المشاركين على الأقل في فهم طبيعة برامج تلفزيون الواقع. كان يُفترض أن يتعمّق صانعو العمل في هذا الجانب من تجربة المشاركين. المواعدة بناء اجتماعي مربك، لكن قد يكون برنامج تلفزيون الواقع شكلاً أكثر غرابة من التفاعل البشري. كانت مشاهدة المشاركين وهم يتخبطون للتعامل مع هاتين التجربتَين معاً لتبدو أكثر صدقاً وإثارة للاهتمام، حتى لو كانت المشاركة في برامج تلفزيون الواقع لا تؤثر على المشاهدين العاديين بقدر تجربة المواعدة الحقيقية على أرض الواقع.

لكن رغم العناصر الإيجابية التي يحملها هذا البرنامج، تتعدد الجوانب التي لا ترقى إلى مستوى التوقعات بشكل عام. تتعلق واحدة من أبرز المشاكل مثلاً باختيار المشاركين في البرنامج، إذ لا تعكس هذه الخيارات حقيقة المصابين بالتوحد من حيث الانتماء العرقي، أو النوع الاجتماعي، أو الحياة الجنسية. قد لا تتضح هذه الشوائب للمشاهدين العاديين، لكن يسهل أن يرصدها المصابون بالتوحد: هل تبدو الموسيقى التصويرية مثلاً ألطف من اللزوم بالنسبة إلى برنامج يتمحور حول أشخاص راشدين وموضوع المواعدة؟ وماذا عن تقطيع المشاهد بين لحظات المواعدة الغريبة وتفاعلات أخرى تبدو أكثر "طبيعية" بين أشخاص يتواجدون في مكان آخر ويحاولون التعبير عن رأيهم؟ وهل كان صانعو العمل ليختاروا تقريب الكاميرا من الملابس التي تعكس خيارات غريبة أحياناً لو كان المشاركون غير مصابين بحالات عصبية معينة؟ وهل يمكن اعتبار عرض قائمة الإعجابات الغريبة التي قام بها المشاركون مفيدة للطرح العام أم مجرّد استعراض طفولي؟ وهل سيتعاطف المشاهدون عموماً مع المشاركين في البرنامج، أو يشفقون عليهم، أو حتى يسخرون منهم في لحظات معينة؟

في مطلق الأحوال، قد تصدر هذه الانتقادات والمخاوف من أشخاص مصابين بالتوحد، إذ يشعر هؤلاء بأن حماية نظرائهم الأصغر سناً واجب عليهم. لكن من المعروف أن برامج تلفزيون الواقع الخالية من السيناريوات الجاهزة عن علاقات الحب بين الأشخاص العاديين تفتقر بدورها إلى الدقة والإنصاف في تمثيل مختلف الجماعات السكانية. وحتى أكثر الأعمال جدّية وصدقاً لا تُعتبر مثالية على جميع المستويات. يرتفع احتمال أن يسيء صانعو العمل تفسير بعض المفاهيم أو يخفقوا في تمثيل جميع الفئات المعنيّة بالشكل المناسب. في النهاية، قد يكون تقبّل فكرة أن يتعرّض نجوم تلفزيون الواقع المصابون بالتوحد لمخاطر مشابهة لما يتعامل معه غير المصابين بهذه الحالة، أو حتى احترام استقلالية من اختاروا أن يشاركوا في هذا النوع من البرامج، خطوة غريبة وضرورية نحو المساواة بين جميع فئات الناس.